افتتاحية مجلة 24: قضيتنا الوطنية إن الباطل كان زهوقا
اليوم نحن في أمس الحاجة لاستحضار معنى أن نكون وطنيين، مؤمنين حتى النخاع بأن وحدة التراب الوطني، من شماله إلى أقصى جنوبه، هي قضية أمة بكل مكوناتها المؤسساتية والسياسية، ووراءها شعب لم يساوم القوى الاستعمارية والامبريالية، وقاد برجاله ونسائه مقاومة شرسة في كل ربوع الوطن، وفي ظروف غير متكافئة من حيث الذخيرة والعتاد الحربي، ضد المعتدين الفرنسيين والاسبان.
لقد ساند نظامنا الملكي شعوبا عربية ومغاربية وافريقية في معاركها التحررية، ومدها في ظروف دقيقة بالمال والسلاح والرجال للوقوف في الجبهات الأمامية لتحرير أوطانها.
لكن في مرات عديدة، كنا نفاجأ بمواقف عدائية من الفلسطينيين وفصائلهم السياسية، تُزَايِد على وحدتنا الترابية كما حدث في عهد الراحل الحسن الثاني. وكما يذكر ذلك الممتبعون، فالملك المعروف بحكمته وحنكته لم يكتم مع ذلك غضبه الشديد من هذه الزلة.
واليوم هناك من الفلسطينيين من لا يزال يتشبث بأوهام ثورات الماضي ويراهن على اعتبار النزعة الانفصالية، التي تمثلها شرذمة البوليساريو، حركة ثورية، حيث السفير الفلسطيني بالجزائر، لايزال يتشبث بوهم أطروحة متجاوزة تتبناها السلطات الجزائرية لتصريف أوضاعها الداخلية الكارثية.
ربما لم تعد الحركات الثورية تعني في السياق الراهن شيئا، لكن التعاطي مع قضايا الشعوب وحقها في الدفاع عن سيادتها الوطنية بات يعتبر، بالمقابل، من القضايا الوطنية الداخلية. فكما أن القضية الفلسطينية ظلت منذ الثمانينيات من القرن الماضي قضية الفلسطينيين أنفسهم دون غيرهم، فإن قضية وحدتنا الترابية هي كذلك شأن وطني داخلي عليه إجماع من طرف كل القوى الحية بالبلاد. وقد اعتدنا التشويش عليه من بعض الأصوات النشاز. بَيْدَ أن التحولات التي عرفتها قضية الصحراء المغربية عززت أكثر من أي وقت مضى الموقف المغربي الذي مكن المنتظم الدولي من مقترح حل سياسي واقعي وقابل للتفاوض، يعطي للأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في ظل الحكم الذاتي، تحت السيادة الوطنية للمملكة المغربية. وهو الوضع الذي دفع بالعديد من البلدان الإفريقية والعربية للإقدام على فتح تمثيليات ديبلوماسية بكل من العيون والداخلة.
في ظل الشروط والمعطيات الجيو سياسية بالمنطقة المغاربية وإفريقيا اليوم، لم يعد المغرب الذي راهن على تنمية المناطق الجنوبية وانفتح على التعاون التنموي مع شعوب المنطقة لمواجهة عوامل التخلف، مستعدا للسماح للنزعة الانفصالية بالاستمرار في إثارة الفتن وفتح بوابة الاتصال مع القوى الإرهابية لعرقلة مسلسل التسوية السياسية، ولا بالقيام بعمليات التخريب والبلطجة المنظمة، برعاية الجارة الجزائر التي هي الراعي الرسمي لقوى الشر التي تحتضنها فوق ترابها.
لقد جاء الرد الحازم من أعلى سلطة بالبلاد وتحركت القوات المسلحة الملكية لإعادة فتح المسلك الطرقي للكركرات ووضع حد لأعمال قطاع الطرق التي كانت تمارسها عصابة البوليساريو.
وفي أشدود، خامس أكبر المدن الإسرائلية الواقعة في السهل الساحلي بين بين تل أبيب وغزة، اجتمع الإسرائيليون في تظاهرات واسعة، ورفعت أعلامنا الوطنية وصور الراحل الحسن الثاني وتم ترديد أغنية المسيرة والتعبير عن مغربية الصحراء والهتاف باسم عاهل المملكة المغربية محمد السادس، وتناقلت وسائل الإعلام هذا التضامن الكبير والواسع. وهؤلاء يشكلون مليون مواطن رفعوا عقيرتهم بالنشيد الوطني لبلادنا.
لنكن واضحين اليوم، ولنقلها بما يكفي من الشجاعة والجرأة: أمننا القومي فوق كل اعتبار، وهو قضية مقدسة. وكفى من المزايدات الرخيصة والوقتية والمصلحية الضيقة. فلم يعد لنا صبر على تحمل طعنات الغدر.
إن العالم قد تغير والكثير من الأوهام قد تبخرت ولم يعد هناك أي مجال للعواطف والتباكي على أطلال لا وجود لها إلا في الأحلام القديمة التي دمرت أجيالا.
من يعادينا في وحدتنا الترابية عليه أن يتحمل مسؤوليته التاريخية كاملة. وكل من ظل يطعننا بخناجره المسمومة عليه أن يتوقع منا الرد الحاسم والحازم رسميا وشعبيا. فمصالح وطننا العليا تقتضي منا اليوم التفكير العقلاني وألا نظل متشبثين بقضايا غيرنا باسم الشعارات البالية.
فقد حان الوقت لنعيد مراجعة عواطفنا وتحاليلنا مواقفنا وتحالفاتنا في عالم تدافع فيه كل الدول، دون استثناء، عن مصالحها الحيوية وعلى رأسها وحدة التراب الوطني.

