تقرير الندوة الوطنية حول موضوع: ” الدولة الاجتماعية بين تحديات التنزيل ورهانات التفعيل”
نظم مركز وادي المخازن للدراسات والأبحاث، بشراكة مع المجلس الجماعي لمدينة القصر الكبير، ومجلس إقليم العرائش، ندوة علمية وطنية حول موضوع:” الدولة الاجتماعية بين تحديات التنزيل ورهانات التفعيل”، وقد تمت أشغال هذه الندوة بدار الثقافة محمد الخمار الكنوني بمدينة القصر الكبير بتاريخ 16 أكتوبر 2022.
استهلت الجلسة الافتتاحية لهذا اللقاء بتلاوة مباركة لآيات بينات من الذكر الحكيم بصوت القارئة ” فاطمة الزهراء حواشي” وسماع النشيد الوطني، ليلقي المنظمون بعد ذلك كلمتهم، فرحب خلالها الأستاذ إلياس طلحة، (رئيس مركز وادي المخازن للدراسات والأبحاث) بالحضور ومشيرا إلى السياق العام للندوة ومبينا أهميته وراهنيته، وشاكرا داعمي النشاط على المجهودات المبذولة لإنجاحه، ليتناول االكلمة الأستاذ يونس بلحسن (عضو مركز وادي المخازن للدراسات والأبحاث) الذي رحب بدوره بالحضور الكرام، وذكر بأهمية الموضوع وراهنيته وحضوره القوي على الساحة الوطنية وأسباب اختيار الموضوع ودوافعه، وقد شدد من جانبه الأستاذ عبد الحكيم الأحمدي، (رئيس مجلس إقليم العرائش) على أهمية دراسة هذا الموضوع حيث سيساهم في إعداد وثيقة تنمية الإقليم، واعتبر تعزيز دور الدولة الاجتماعية كورش ملكي كبير من ضمن الالتزامات التي تقع على عاتق المجلس، وعرض بعض إنجازات هذا الأخير في دعم الفئات الاجتماعية ومحاربة الهدر المدرسي، وأكد الحاج محمد السيمو (رئيس المجلس الجماعي لمدينة القصر الكبير) من جهته، على أهمية هذا اللقاء في تقريب الموضوع لمختلف الفاعلين في الميدان الاجتماعي، وأشاد بالمجهودات التي تقوم بها الحكومة من أجل حماية الفئات الاجتماعية خاصة أنها استطاعت حفظ توازن مختلف هذه الفئات رغم ما يعاني منه بلدنا من تداعيات تأثير جائحة كورونا والحرب الأكرانية الروسية بالإضافة إلى قلة التساقطات المطرية.
وافتتحت الجلسة العلمية من طرف الدكتور عبد الجبار المراكشي (أستاذ باحث ومنسق الإجازة المهنية -القانون والسياسات العمومية- بالكلية المتعددة التخصصات بالقصر الكبير) الذي أرجع أهمية هذا اللقاء لما يثيره من نقاشات واسعة على المستوى الوطني والدولي ما يفسر الاهتمام بمفهوم ” الدولة الاجتماعية” فنجد أن الدستور نص عليه في فصله الأول واعتبره من مقومات الدولة، إضافة لتواجده في الخطب الملكية، وتساءل حول مفهومه ودعائمه ومدى إمكانية التوفيق بين هذا المفهوم وبين الحقوق الممنوحة للأطراف، وفتح المجال أمام المتدخلين لمحاولة الجواب على هذه التساؤلات.
واعتبر الدكتور عبد الله أبو عوض (أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بكلية الحقوق بتطوان) في مداخلته التي عنونها ب “الدولة الاجتماعية من المفهوم إلى الممارسة” أن هذا الموضوع يتمتع بطبيعة خاصة، حيث يمزج فيه مفهوم الدولة الاجتماعية بين القانون والفلسفة، فإن كان مفهوم الدولة معروفا في لغة القانون فهو عكس ذلك في الجانب الاجتماعي لارتباطه بالعلوم الاجتماعية، فأشار إلى ظهوره الأول بألمانيا وربطه برفاهية الرأسمال من خلال كتاب “العوالم الثلاث” عند كارل بوبر، وتناول إشكالية إسقاط هذا المفهوم على المغرب نظرا لعدة تحديات موضحا أن مفهوم “الرفاه” يرتبط بنسبة استفادة المجتمع من الصحة والتنمية والديمقراطية وما يمكن أن يدخل فيها، فإن كان الدستور يضمن مأسسة الممارسة بناء على وجود الحق وصون الكرامة والقيام بالواجب كمفاهيم تدخل في تحديد الدولة الاجتماعية، فإن تنزيلها يرتبط كذلك بمجال التشغيل والتعليم والصحة… التي تتخذها الحكومة أساسا لها في مقاربتها لهذا المفهوم، وتزداد صعوبة تحديد هذا الأخير نتيجة اختلاف زوايا النظر إليه حيث تتجاذبه عدة تيارات فلسفية وسوسيولوجية وقانونية، إضافة إلى تصادم مماراسته بالانعكاسات الخارجية فيتأثر بذلك الرفاه المنشود مما يؤدي لمحاسبة الحكومة.
وتوصل في معالجته لهذا الموضوع إلى ضرورة استيعاب الشباب لمضامين الدولة الاجتماعية، ويقف في وجه ذلك الواقع الذي يتسم بعدم وجود رؤية مشتركة بين الحكومة والشعب، مما يجعل المفهوم عاما وصعب التحديد، ويرى بأن ضرورة جعله ملاءم للمجتمع المغربي هو رهان حقيقي لابد له من قواعد وأسس، منها توفير الخدمات والمؤسسات الكفيلة بتنزيله وإحاطته بسبل استيعاب الممارسة والتطبيق وليس فقط عن طريق الاقتصار على القواعد القانونية، وخلص إلى أن تحقيق الدولة الاجتماعية يرتبط بتحديد دقيق لمفهوم الدولة ورسم العلاقة بين المفهوم والممارسة وضرورة تكييفه معه الخصوصية المغربية.
ومن جانبه اعتبر الدكتور عبد الواحد الخمال ( أستاذ مؤهل بالكلية المتعددة التخصصات بالقصر الكبير) في مداخلته المتعلقة ب”منطق العدالة المجالية والاجتماعية ورهان إرساء الدولة الاجتماعية” أن تحقيق الدولة الاجتماعية يستوجب الانطلاق من مدخلين؛ يراعي الأول “العدالة الاجتماعية” ويتمثل الثاني في ” العدالة المجالية”، فهي ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة للوصول للحد المأمول من انتظارات المواطنين، وانطلق من أن عدم قدرة النموذج التنموي على استيعاب الحاجيات والحد من الفوارق الاجتماعية والتحديات المجالية يفرض على الدولة إرساء عدالة اجتماعية أساسها عدالة مجالية أكثر حكامة، لكن ذلك يصطدم بعدة مشاكل كضعف الحماية الاجتماعية وارتفاع الفقر…، فحاول الإجابة عن سؤال أساسي يتمثل في مدى اعتبار العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية أساسا للدولة الاجتماعية؟ فعرض تطور الدولة الاجتماعية منذ الاستقلال حيث كانت نتاجا لعوامل مختلفة تفرضها ظروف تاريخية متميزة فلم يكن هذا الجانب في البداية غرضا أساسيا للدولة، فبعد إحداث”صندوق المقاصة” واستفحال الأزمة وتعمقها عمدت الدولة إلى تنزيل عدة برامج اجتماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية، لكن ذلك لم يؤت أكله نظرا للمقاربة العمودية غير الملاءمة في التنزيل، ومن جهة أخرى يواجه تحقيق العدالة المجالية بمشاكل التباين بين الجهات؛ حيث تستحوذ ثلاث جهات من أصل إثنى عشر على 55 من المقاولات في المغرب، وهذا التباين يجد مكانه حتى داخل نفس الجهة، وبذلك ربط العدالة الاجتماعية بالعدالة المجالية واعتبر أن هناك ” اتحاد عضوي” بينهما؛ فهي في نظره عبارة عن مفاهيم إيديولوجية أكثر مما هي عملية، الشئ الذي يؤدي إلى خلق مشكلة في التفعيل، والدولة في نظره عليها أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية والقانونية في هذا الجانب، فما هو منصوص عليه يفرض وجود إرادة سياسية ومقاربة كفيلة بتذليل الصعوبات في الولوج إلى الخدمات في ظل ما يسمى ب”هندسة السياسات العمومية”، وختم مداخلته بمجموعة من التوصيات التي سيساهم الأخذ بها في تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، ويتمثل أهمها في ضرورة إلزام الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية بتفعيل الحقوق الاجتماعية وضمان فعالية الولوج إلى الخدمات والحرص على نجاعتها، معتبرا أن هذا المجال هو إطار للعيش المشترك يجب أن يحظى فيه الجميع بفرص الاستفادة وليس فقط بالانتماء القانوني.
واستحضرت الأستاذة زينب السيمو (نائبة برلمانية بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة) في مداخلتها التي وضعت لها عنوان “ركائز الدولة الاجتماعية والمجهود الحكومي” الخطاب الأخير لجلالة الملك محمد السادس الذي ركز فيه على الماء والاستثمار كأحد ركائز الدولة الاجتماعية، إضافة للصحة والتعليم اللائق والعدالة الاجتماعية، فإرساء الدولة الاجتماعية يستلزم الانطلاق من الواقع إضافة لاسترجاع الثقة في الممثلين والفاعلين السياسيين لما لهم من إمكانية للمراقبة والتصويت على المشاريع التنموية، إضافة لقيامهم بمهام الدفاع عن حقوق المواطنين في مختلف المجالات خاصة الاجتماعية، وعبرت عن رغبتها كفاعلة برلمانية للعمل على تفعيل المبادئ الأساسية للدولة الاجتماعية خاصة حق الولوج للخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم والشغل…، وهو رهان يوجب التحلي بالصدق في العمل، ودعت إلى التركيز على التعليم الأولي واعتبرته أساسا للرقي بباقي القطاعات عبر تجويده والعمل على حل المشاكل التي يعاني منها خاصة قلة الموارد البشرية…
ومن خلال المداخلة الأخيرة التي أثار فيها الدكتور عمر الشرقاوي (أستاذ جامعي ومحلل سياسي وإعلامي) جانب مهم متعلق ب”الدولة الاجتماعية ونجاعة السياسات العمومية”، وبعد أن أشاد بالمجهودات القيمة التي تقوم بها الحكومة في سبيل رسم معالم الدولة الاجتماعية، وتساءل حول ما إذا كان هناك أثر ملموس للأعمال التي تقوم بها الحكومة، وهل الدولة الاجتماعية وسيلة أم غاية؟
ويرجع ظهور أولى مبادئ الدولة الاجتماعية لعصر الأنوار، حيث فكر فلاسفة هذا العصر في الحفاظ على الحقوق الأصلية للإنسان كالحق في الحياة…، وذلك خلال ما يعرف ب”حالة الطبيعة” أو “حرب الجميع ضد الجميع”، فتطورت المفاهيم بعد ذلك مرورا بالدولة التدخلية فالدولة الدركية وصولا لدولة “الرفاه” والدولة الاجتماعية، وتعد هذه الأخيرة من ضمن المقاصد التي كرسها الدستور ابتداء من مقدمته ومن خلال العديد من الفصول ليكون بذلك دستورا للحقوق الاجتماعية، فتساءل عن آثارها وكيفية استفادة الناس منها…، فنجاعة السياسات العمومية يحددها الجواب عن هذه التساؤلات، فأثر النص يجب أن يظهر عبر تنزيله بتحقيق الأهداف المسطرة خلال الوقت المحدد لها وإلا اعتبرت دون فائدة، وأشاد من جهته بمجهودات الحكومة الحالية إذ اعتبرها استثنائية خاصة في عملها على تعميم التغطية الصحية على جميع الفئات المجتمعية وزيادة الحد الأدنى للأجر والرفع من التعويضات العائلية…، وتأسف لغياب أثرها الذي فسره بالتخوف والرقابة الذاتية للحكومة في تسويقها لإنتاجها مشيرا إلى أهمية الانجازات المتخذة خلال هذه الفترة المحدودة، فبناء الدولة الاجتماعية لا يقف على وضع النصوص فقط، بل يتعداه إلى تفعيلها بالانطلاق من المصالح الخارجية في اتخاذ القرار، وتطبيق اللاتمركز الإداري، والعمل على ملاءمة المقتضيات التنظيمية للجماعات الترابية مع طبيعة الدولة الاجتماعية، نظرا لكون هذه النصوص غير ميسرة في تنزيل مشروع الدولة الاجتماعية إذ تجمد الاختصاصات وفق صيغتها الحالية وتجعلها رهينة بسلطة المركز مما يمنعها من القيام بالأدوار الجديدة المنوطة بها.
وانتهت المداخلات، فتم فتح باب النقاش ليتدخل الحاضرون لطرح تساؤلاتهم وتقديم ملاحظاتهم وإضافاتهم حول موضوع الندوة، حيث حاول المتدخلون مقاربة الموضوع من زوايا مختلفة، وفي الأخير جدد رئيس الجلسة شكره للمتدخلين والحاضرين، فتم تقديم الشواهد التقديرية، كما أكد المنظمون استعدادهم الدائم للانفتاح على مختلف الفئات الاجتماعية عبر الأنشطة المبرمجة في سبيل نشر الوعي بهذه المواضيع من أجل إرساء أسس الدولة الاجتماعية لتسهيل استيعاب فكرتها وبالتالي ضمان انخراط أكبر في تفعيل وتنزيل هذا الورش.
ليتم في الأخير رفع برقية الولاء للسدة العالية بالله جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده والدعاء مع جلالته بالنصر والتمكين، ومع ولي العهد الأمير الجليل مولاي الحسن بالسعادة والصحة والعيش في كنف والده المنصور بالله، وحفظ كافة أسرته العلوية الشريفة.



