هندسة الريادة وضريبة الإستهداف : السيكولوجية الإقليمية ومقاومة الصعود الكروي للمملكة المغربية
لم يعد التميز المشهود للمملكة المغربية على الساحة الكريزمية والرياضية مجرد تفوق تكتيكي عابر فوق المستطيل الأخضر، بل أضحى مرآة لنموذج تنموي وبنيوي شامل أحدث ثورة حقيقية في معالم صناعة الرياضة قاريا ودوليا .
إن هذا الانتقال المرن والسريع للمغرب من فاعل إقليمي إلى مركز ثقل حقيقي في صناعة القرار الرياضي، لم يمر دون أن يثير انتباه ومقاومة الفاعلين التقليديين ، إذ أصبحت المملكة تقع في مرمى استهداف ممنهج مدفوع بسيكولوجية الحسد والغيرة السياسية، من قبل جهات عجزت عن مجاراة هذا الإيقاع التطوري الرفيع، فاختارت تبخيس المنجز الوطني للتغطية على تراجعها البنيوي.
إن القراءة العلمية لمسار الكرة المغربية تكشف عن “هندسة استراتيجية” متكاملة الأركان، تأسست على المزاوجة بين التخطيط اللوجستيكي بعيد المدى والتدبير الأكاديمي المبني على ركائز علمية دقيقة. ويمثل الاستثمار الضخم في أكاديمية محمد السادس لكرة القدم النموذج الأبرز لهذه الرؤية، حيث يتم الاعتماد على أحدث مناهج الطب الرياضي، نظم التغذية المبرمجة، والتحليل الرقمي للبيانات التكتيكية (Data Analysis).
هذا البناء العلمي الرصين ترجم مباشرة إلى أرقام وإنجازات تاريخية حطمت كافة العقد النمطية:
عالميا : حصد المنتخب الوطني المركز الرابع التاريخي في مونديال قطر 2022، كأول منتخب إفريقي وعربي يبلغ المربع الذهبي، مسجلا أرقاما قياسية في الصلابة الدفاعية والتلاحم الهوياتي.
قاريا وفئويا: تجسدت هذه الريادة في السيطرة الشاملة على المسابقات الإفريقية، عبر تتويج المنتخب المحلي ببطولة أفريقيا للمحليين (CHAN) لنسختين متتاليتين، وحيازة كأس أمم إفريقيا لأقل من 23 سنة، والوصول التاريخي لمنتخب السيدات إلى ثمن نهائي كأس العالم، فضلا عن البصمة الاستثنائية في كأس العرب،،،
مما يعكس شمولية المخطط الإصلاحي وجاهزيته المستدامة.
ومع ذلك، فإن المحك الحقيقي الذي كشف عن حجم الغيرة والاستهداف الإقليمي تجلى بوضوح في الاستحقاقات الأخيرة لـ كأس أمم إفريقيا، فبمجرد أن وطئت أقدام البعثات والمنتخبات الوطنية أرضية المنافسة، بدت ملامح “الصدمة والذهول” واضحة على محيا الخصوم والمنابر الإعلامية المتربصة.
لم تكن الصدمة نابعة من الجانب الرياضي الصرف، بل من حجم “التطور الرفيع” والاحترافية العالية التي أظهرتها المملكة على المستويات اللوجستيكية، والتنظيمية، والذهنية،،،
مما وضع بقية المتنافسين أمام مرآة واقعهم المتراجع.
ومع اقتراب الاستحقاق المونديالي القادم، تتجه ‘الأعين الراصدة’ من جديد نحو المملكة المغربية، حيث يوضع النموذج الكروي الوطني تحت مجهر الرقابة الدولية والتشويش الإقليمي المضاعف.
إن هذا المونديال المرتقب لا يمثل للمغرب مجرد منافسة رياضية، بل هو محطة لتأكيد الريادة وتثبيت المكتسبات العلمية والتكتيكية التي انطلقت من ملحمة قطر. هذا التربص الإعلامي ومحاولات الضغط النفسي التي تمارسها بعض الجهات، تعكس بوضوح حجم الهوس الإقليمي بنجاحات المغرب، والوجل من أن تفاجئ المملكة العالم بملحمة جديدة تكرس تفوقها البنيوي، وتؤكد أن مكانة المغرب بين كبار اللعبة لم تكن طفرة عابرة، بل هي واقع استراتيجي صامد ومستدام
هذه الصدمة تحولت سريعا إلى حملات تشويش ممنهجة وتبني علني لـ “خطاب المؤامرة”، حيث جندت الآلات الإعلامية لربط التفوق المغربي بكواليس القرار داخل الاتحاد الإفريقي (الكاف)، في محاولة يائسة لتسويغ عجزهم عن بناء طفرة تضاهي ما حققته الرباط.
إن ضريبة التفوق الاستراتيجي التي تدفعها المملكة اليوم تؤكد بالملموس أن الرياضة تحولت إلى إحدى أقوى أدوات الدبلوماسية الناعمة التي تخدم القضايا المصيرية للمغرب فالصعود الكروي الحاد، والتموقع كشريك محوري في تنظيم مونديال 2030 بالتعاون مع قوى أوروبية، نقل المغرب إلى مصاف الكبار وأعطاه شرعية قيادة قاطرة التنمية الرياضية في القارة من خلال شراكات تعاون جنوب-جنوب مع عشرات الجامعات الإفريقية.
هذا الإشعاع الدولي المتنامي هو ما يجعل المملكة مستهدفة بـ “العين الراصدة” والغيرة المستمرة، لأن تفوقها يكسر احتكارات قديمة ويثبت أن الإرادة السياسية عندما تلتقي بالتخطيط العلمي لا يمكن صدها.
في المحصلة، تظل قنوات التشويش والتبخيس الإقليمي مجرد اعتراف ضمني بعلو كعب النموذج المغربي وفارق السرعة الاستراتيجية الذي أحدثه في المنطقة. إن المكتسبات التي حققتها كرة القدم المغربية محصنة بواقعيتها العلمية وبنيتها التحتية الصلبة، مما يجعل من محاولات الاستهداف حوافز إضافية للمملكة لمواصلة سيرها الثابت نحو ريادة المشهد الدولي، تاركة للخصوم أسرة البكائيات وخطاب المظلومية الذي لا يغير من واقع التفوق المغربي شيئا.

