بين بلاغة النصوص وعناد الجغرافيا العدالة المجالية كشرط لشرعية النموذج التنموي

بين بلاغة النصوص وعناد الجغرافيا العدالة المجالية كشرط لشرعية النموذج التنموي
حافضي سعيد

كلما دقت طبول الانتخابات ونفض الفاعلون السياسيون الغبار عن برامجهم المعلبة يعود إلى الواجهة ذلك المفهوم الأنيق الذي تلوكه الألسن في الصالونات المكيفة والمؤتمرات الصحافية العدالة المجالية
مفهوم يبدو وادعا في نصوص القوانين وبنود وثيقة دستور 2011 لكنه يتحول إلى جمرة حارقة حين يعرض على محك الواقع اليومي للمغاربة والواقع كما نعرفه جميعا وكما لا تخطئه عين الملاحظ اللبيب يقول إن المغرب ورغم كل النوايا الحسنة والخطط المكتوبة بمداد الأمل ما زال يعيش مفارقة المغربين مغرب محظوظ يسير بسرعة البراق ومغرب منسي لا يجد أهله سوى دواب الصبر لقطع مسالك العزلة والبحث عن لقمة العيش
دعونا نضع النظارات الوردية جانبا ونقرأ المشهد بجرأة وصراحة حين خرج الملك محمد السادس في خطاب عرش يوليوز 2025 ثم في افتتاح السنة التشريعية لأكتوبر من نفس العام ليقول بحسم إنه لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين لم يكن يطلق شعارا للاستهلاك بل كان يوضع يده على الداء العضال الذي ينخر جسد النموذج التنموي كان ذلك تشخيصا ملكيا لخلل هيكلي عجزت الحكومات المتعاقبة عن معالجته وهو أن ثمار التنمية تتركز في جيوب جغرافية ضيقة بينما تظل جهات أخرى في وضعية المتفرج الذي يرى قطار الثروة يمر أمامه دون أن يتوقف في محطته
الحكومة في قانون مالية 2026 سارعت إلى تخصيص غلاف مالي أولي بقيمة 20 مليار درهم لإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة هذا رقم محترم ولا يمكن لأحد أن ينكر الجهد المالي المبذول ولا الاستراتيجيات متعددة القطاعات التي تطمح إلى إعادة هيكلة الصحة والتعليم والتكوين المهني لكن السؤال الذي يفرض نفسه بملحاحية هل المشكل في الغلاف المالي أم في الهندسة الذهنية التي تدير هذا الغلاف
إن معضلتنا في المغرب ليست في ندرة الأفكار أو غياب الميزانيات بل في تلك الجاذبية القاتلة للمحور التقليدي الممتد بين طنجة القنيطرة والدار البيضاء هذا الشريط الأطلسي الشمالي تحول إلى ثقب أسود يبتلع جل الاستثمارات الاستراتيجية من صناعة السيارات إلى الطيران ومن الموانئ الضخمة إلى البنيات التحتية المتطورة في المقابل تجد جهات بأكملها في الجنوب والشرق والوسط الصامت نفسها على هامش هذه الدينامية الاقتصادية تصبح جهات مصدرة للبشر عبر نزيف الهجرة الداخلية ومستوردة لوعود التنمية المؤجلة
العدالة المجالية لمن يريد أن يفهم جوهرها ليست اشتراكية جغرافية تقسم المشاريع بالمسطرة والميزان بالتساوي بين المدن والقرى فهذا وهم لا يستقيم مع منطق الاقتصاد ومؤهلات الأرض العدالة المجالية هي ببساطة تكافؤ الفرص بين الجغرافيا هي أن تمنح لجهة درعة تافيلالت أو جهة الشرق أو جهات الصحراء نفس الحوافز والتحصينات التي تجعل المستثمر الخاص يجرؤ على الخروج من منطقة الراحة في الدار البيضاء أو طنجة ليزرع أمواله هناك هي أن تضمن للمواطن في فكيك أو تاونات حدا أدنى من الصحة والتعليم والشغل الكريم يجعله يشعر بأن المواطنة ليست امتيازا مرتبطا بالبطاقة الوطنية وعنوان السكن بل حق مشاع على امتداد خريطة المملكة
ونحن على أبواب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لن يكتفي المغاربة بالإنصات إلى خطب الوعود المعسولة حول تقليص الفوارق لقد شبع الناس تشخيصا وباتوا ينتظرون ثورة في السياسات الترابية مطلوب اليوم مراجعة جريئة للسياسة الضريبية والتحفيزية لتوجيه الرأسمال الخاص نحو المغرب العميق
إن نجاح المغرب في التحول إلى قوة صناعية إقليمية في الطيران والسيارات والطاقات المتجددة هو فخر جماعي لكن هذا الفخر سيبقى ناقصا بل ومهددا إذا لم يجد المواطن البسيط في أقاصي الأطلس والريف والجنوب نصيبه من هذا الإقلاع فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه فقط نسب النمو الباردة بل يضمنه الدفء الاجتماعي الذي يشعر به المواطن حين يرى أن دولته تنصفه مجاليا واجتماعيا كفى من مغرب السرعتين فقد حان الوقت لكي نسير جميعا بنفس الإيقاع ونحو نفس الأفق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *