أسرة المقاومة وجيش التحرير تخلد الذكرى السابعةبعد المائة لمعركة الهري المجيدة

أسرة المقاومة وجيش التحرير تخلد الذكرى السابعةبعد المائة لمعركة الهري المجيدة

بكل مظاهر الاعتزاز والإكبار، وفي غمرة أجواء الحماس الوطني والتعبئة المستمرة واليقظة الموصولة، تخلد أسرة المقاومة وجيش التحرير وساكنة إقليم خنيفـرة يوم الاثنين 15 نونبر 2021، الذكرى السابعة بعد المائــة لمعركة الهري المجيدة، التي جسدت أروع صور الكفاح الوطني البطولي الذي خاضه المغاربة في مواجهة حملات توسع الجيوش الأجنبية الغازية لبسط سيطرتها على مناطق الأطلس المتوسط سنة 1914. هذه المعركـة التي شكلت معلمة مضيئة في تاريخ الكفاح الوطني، برهنت بجلاء عن مدى صمود الشعب المغربي في مواجهة الوجود الأجنبي والاستيطان الاستعماري على إثر فرض عقد الحماية سنة 1912.
فبعدما تم احتلال ما كان يسمى حسب مقولة المقيم العام “ليوطي” ب “المغرب النافع”، السهول والهضاب والمدن الرئيسية؛ وبعدما تمكن الجيش الفرنسي من ربط المغرب الشرقي بالجناح الغربي من الوطن عبر تازة في ماي 1914، توجهت أنظار الإدارة الاستعمارية نحو منطقة الأطلس المتوسط، وبالضبط صوب مدينة خنيفرة لتطويقها وكسر شوكة مقاومتها، في أفق فتح الطريق بين الشمال والجنوب عبر هذه القلعة الصامدة، التي شكلت إحدى المناطق التي اتخذها المقاومون ساحة للنزال في مواجهة المستعمر الأجنبي.
وقد تأكدت هذه الخطورة من خلال التصريح الذي أدلى به المقيم العام “ليوطي” حيث قال يوم 2 ماي 1914: “إن بلاد زيان تصلح كسند لكل العصاة بالمغرب الأوسط، وإن هذه المجموعة الهامة في منطقة احتلالنا وعلاقتها المستمرة مع القبائل الخاضعة، يكون خطرا فعليا على وجودنا. فالعصاة المتمردون والقراصنة مطمئنون لوجود ملجإ وعتاد وموارد وقربها من الجيش ومناطق الاحتلال جعل منها تهديدا دائما لمواقعنا، فكان من الواجب أن يكون هدف سياستنا، هو إبعاد كل الزيانيين بالضفة اليمنى لأم الربيع”.
في حمأة هذه الظروف العصيبة، انطلقت أولى العمليات العسكرية، وأنيطت مهمة القيادة بالجنرال “هنريس” الذي اعتمد في سياسته على أسلوب الإغراء، حيث حاول التقرب من قائد الجهاد موحى وحمو الزياني، الذي كان يرد بالرفض والتعنت والتصعيد في مقاومته. حينئذ تبين للفرنسيين أن مسألة زيان لا يمكن الحسم فيها إلا عن طريق الحرب الباردة. وبالفعل، بدأت سلسلة من الهجومات على المنطقة، وترك “ليوطي” للجنرال “هنريس” كامل الصلاحية واختيار الوقت المناسب لتنفيذ هجوماته وعملياته العسكرية.
وقد تمكنت القوات الاستعمارية من احتلال مدينة خنيفرة، بعد مواجهات عنيفة. إلا أن الانتصار الذي حققته لم يمكنها من إخضاع موحى وحمو الزياني، الذي عمد إلى تغيير استراتيجية مقاومته، وإخلاء المدينة المحتلة تفاديا للاستسلام والرضوخ للإرادة الاستعمارية، وسعيا للاعتصام بالجبال المحيطة بخنيفرة، وبالضبط بقرية الهري قرب نهر اشبوكة، وفي انتظار أن تتغير الظروف، خاصة وأن أجواء الحرب العالمية الأولى أصبحت تخيم على أوروبا.
في خضم هذه التطورات والملابسات، تلقى المقيم العام “ليوطي” برقية من الحكومة الفرنسية جاء فيها: “ينبغي في حالة الحرب أن تبذلوا جهودكم للاحتفاظ في المغرب بعدد من القوات لا يمكن الاستغناء عنها ، إن مصير المغرب يتقرر في “اللورين”. وينبغي أن يقتصر احتلال المغرب على موانئ الشواطئ الرئيسية إذا كان ممكنا على خط المواصلات خنيفرة، مكناس، فاس، وجدة”.
ما إن ذاع خبر وصول موحى وحمو الزياني إلى قرية الهري حتى سارعت القيادة الاستعمارية إلى تدبير خطة الهجوم المباغت على المجاهدين، غير آبهة بالأبرياء من أطفال وشيوخ ونساء. وفي هذا الوقت، قرر الكولونيل” لافيردير ” القيام بهجوم على معسكر المجاهدين، وكان ذلك ليلة 13 نونبر 1914.
لقد تم الإعداد لهذا الهجوم بكل الوسائل الحربية المتطورة، وبحشد عدد كبير من الجنود. وفي هذا السياق، يشير الأستاذ محمد المعزوزي إلى قيام المحتل الأجنبي بتنفيذ خطته يوم 12 نونبر 1914 حيث تحرك بأربع فرق تضم 1300 جنديا، معززة بالمدفعية، وتوجه إلى معسكر الهري للقيام بهجوم مباغث على الدواوير وأماكن إقامة المجاهدين.
لقد كان الهجوم على معسكر القائد موحى وحمو الزياني عنيفا، حيث بدأ في الساعة الثالثة صباحا، وتم تطويق المعسكر من أربع جهات في آن واحد، ليبدأ القصف شاملا، حيث قذفت الخيام المنتصبة التي تضم الأبرياء، وقام الجنود بأمر من “لافيردير” بمهاجمة القبائل المحيطة بالقرية، فيما استغل البعض الآخر الفرصة لجمع القطيع الموجود من الأغنام والأبقار ولاختطاف النساء موهما بالانتصار على المجاهدين.
وانتشرت الآلية العسكرية للقوات الاستعمارية، وقامت باكتساح الجبل لتمشيطه من المقاومة، وبذلك تحولت منطقة الهري الى جحيم من النيران، وسمعت أصوات الانفجارات في كل المناطق المجاورة، وظن قائد الحملة العسكرية على الهري أن النصر صار حليفه، وأنه وضع حدا لمقاومة موحى وحمو الزياني والمجاهدين الأشاوس.
غير أنه أصيب بخيبة أمل حينما فوجئ برد فعل عنيف من طرف المقاومين، ليدرك أنه ألقى بنفسه وبقواته في مجزرة رهيبة ودوامة مغلقة لا سبيل للخروج منها.
وبالفعل، فقد كان رد فعل المقاومة عنيفا وأشد بأسا حيث زاد عدد المقاومين بعد انضمام سائر القبائل الزيانية والمجـاورة لها وهـي قبائــل اشقيـرن، آيت اسحـاق، تسكـارت، أيت احند، ايت يحيى، آيت نوح،آيت بومـزوغ، آيت خويا، آيت شارط وآيت بويشي، وتم استخدام كل أساليب القتال من بنادق وخناجر وفؤوس، وقد تحمست كل هذه القبائل لمواجهة المحتل للثأر لنفسها ولزعيم المقاومة موحى وحمو الزياني، وأبانت عن روح قتالية عالية. ومما زاد من دهشة القيادة الاستعمارية، الحضور المكثف والسريع للقبائل رغم المسافات التي تفصل بينها.
لقد كانت أرض الهري من أكبر المقابر العارية لقوات الاحتلال، حيث قدرت خسائر القوات الاستعمارية ب 33 قتيلا من الضباط، و580 قتيلا من الجنود، و176 جريحا، وغنم المقاومون 3 مدافع كبيرة، و10 مدافع رشاشة، وعددا كبيرا من البنادق. كما قام موحى وحمو الزياني في16 نونبر 1914، أي بعد مرور ثلاثة أيام على معركة الهري بتصديه بفرقة مكونة من 3000 مجاهد لزحف العقيد “دوكليسيس” الذي كان قادما من تادلة لنجدة وإغاثة ما تبقى من فلول الجنود المقيمين بخنيفرة، وكبدهم المجاهدون خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
لقد جسدت هزيمة الهري نقطة سوداء في تاريخ الاستعمار الفرنسي لشمال افريقيا، في حين خلفت بصمات مشرقة في تاريخ المغرب المعاصر. وفي هذا الصدد، أورد الجنرال “كيوم”، أحد الضباط الفرنسيين الذين شاركوا في الحملة على الأطلس المتوسط في كتابه “البربر المغاربة وتهدئة الأطلس المتوسط 1912 – 1933″، أن القوات الفرنسية “لم تمن قط في شمال إفريقيا بمثل هذه الهزيمة المفجعة”.
وإن أسرة المقاومة وجيش التحرير وهي تستحضر بفخر وإكبار هذه الملحمة التاريخية الغنية بالدروس والعبر والطافحة بالمعاني والقيم، تجدد موقفها الثابت من قضية وحدتنا الترابية بالتأكيد على مغربية الصحراء، وتجدد وقوفها ضد مناورات خصوم وحدتنا الترابية ومخططات المتربصين بسيادة المغرب على كامل ترابه المقدس الذي لا تنازل ولا مساومة في شبر منه. وستظل بلادنا متمسكة بروابط الإخاء والتعاون وحسن الجوار والسعي في اتجاه بناء الصرح المغاربي وتحقيق وحدة شعوبه، إيمانا منها بضرورة إيجاد حل سلمي واقعي ومتفاوض عليه لإنهاء النزاع المفتعل حول أقاليمنا الجنوبية. وفي هذا السياق، تندرج مبادرة منح حكم ذاتي موسع لأقاليمنا الصحراوية في ظل السيادة المغربية.
ولنا أن نستشهد بما ورد في الخطاب السامي لجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى 46 للمسيرة الخضراء حيث يقول جلالته حفظه الله:
“إن قضية الصحراء هي جوهر الوحدة الوطنية للمملكة. و هي قضية كل المغاربة.
وهو ما يقتضي من الجميع، كل من موقعه، مواصلة التعبئة واليقظة، للدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية، وتعزيز المنجزات التنموية والسياسية، التي تعرفها أقاليمنا الجنوبية.
وذلك خير وفاء لقسم المسيرة الخالد، ولروح مبدعها، والدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه، وكافة شهداء الوطن الأبرار.
ونغتنم هذه المناسبة، لنعبر لشعوبنا المغاربية الخمسة، عن متمنياتنا الصادقة، بالمزيد من التقدم والازدهار، في ظل الوحدة والاستقرار.”
واحتفاء بهذه الذكرى المجيدة بما يليق بها من مظاهر الاعتزاز والبرور، تنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير يوم الاثنين 15 نونبر 2021 على الساعة الحادية عشرة صباحا مهرجانا خطابيا بجماعة لهري بإقليم خنيفرة بتعاون مع الفعاليات الإقليمية والمحلية، سيتم خلاله تكريم صفوة من المنتمين لأسرة المقاومة وجيش التحرير وتوزيع إعانات مالية على عدد من أفراد أسرة المقاومة والتحرير بالإقليم.
كما ستلتئم بالمناسبة ندوة فكرية عن بعد موسومة بـ: “منطقة زيان: المجال، التاريخ، المجتمع” سيشارك فيها ثلة من الأساتذة الأكاديميين والباحثين والمهتمين، ويتعلق الأمر ب:
-الدكتور إدريس أقبوش، أستاذ باحث في التاريخ المعاصر بجامعة ابن طفيل، القنيطرة، يقدم مساهمة بعنوان: “جوانب من أشكال التغلغل الاستعماري بمنطقة زيان”؛
-الدكتور موحسين بعالي، طالب باحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببنى ملال، يعالج في مساهمته: “نبذة عن البطل موحى أو حمو الزياني”؛
-الدكتور عبد المالك بن صالح، أستاذ التعليم العالي مساعد، مدير بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة بني ملال – خنيفرة، فرع خنيفرة، يتناول موضوع: “معركة الهري بمنطقة خنيفرة: الحدث التاريخي ودلالاته”؛
-الدكتور مولود عشاق، أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالقنيطرة، بموضوع: “إسهام قبائل زمور في حركة المقاومة الزيانية”؛
-السيد الحو عبيبي إطار بفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بمريرت، يقدم عرضا في موضوع: “مقاومة موحا أوحمو الزياني من خلال الكتابات التاريخية الوطنية والأجنبية”.
-الأستاذ محمد زروال، طالب باحث في سلك الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس – فاس، يقدم مساهمة موسومة ب:”قراءة في كتاب El Herri 1914 : Hécatombe des troupes coloniales Françaises”؛
-الدكتور جواد التباعي والطالبة الباحثة حنان اقشبيل، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، في مساهمة مشتركة تتناول موضوع: “المجتمع والاقتصاد ببلاد زيان خلال عهد موحى أو حمو الزياني”.
-الأستاذ المكي الذهبي، باحث في تاريخ المغرب الزمن الراهن يقارب موضوع :”تطور التنظيم الإداري في زيان زمن الحماية”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *