الكتلة الديمقراطية… حين يتحول الإرث النضالي إلى غطاء سياسي لأغلبية بلا ذاكرة

الكتلة الديمقراطية… حين يتحول الإرث النضالي إلى غطاء سياسي لأغلبية بلا ذاكرة
بقلم: طلوع عبد الإله _ باحث في القانون العام والعلوم السياسية

قد يكون استدعاء اسم الكتلة الديمقراطية في سياق الأغلبية الحكومية الحالية آخر أشكال دفنها، ليس باعتبارها مجرد إطار سياسي انتهى مفعوله، بل باعتبارها تجربة تاريخية حملت في لحظة معينة معنى سياسياً ونضالياً واضحاً.

لقد وُلدت الكتلة الديمقراطية في سياق تاريخي اتسم بالصراع من أجل الانتقال الديمقراطي، وتوسيع هامش المشاركة السياسية، وإعادة النظر في قواعد تدبير السلطة وعلاقة الدولة بالأحزاب والمجتمع. لم تكن مجرد تجمّع انتخابي عابر، ولا واجهة لتوزيع المواقع الحكومية، بل كانت تعبيراً عن إرادة سياسية سعت إلى بناء توازن جديد بين السلطة والمعارضة، وفتحت أفقاً لإمكانية الانتقال من منطق التحكم إلى منطق الديمقراطية والتوافق.

أما اليوم، فيبدو أن هناك من يريد استدعاء الاسم نفسه، وتوظيف رمزيته التاريخية لتقديم أغلبية حكومية باعتبارها امتداداً لذلك المشروع، رغم اختلاف السياقات والرهانات والمواقع السياسية. أغلبية يقودها حزب نشأ في ظروف مختلفة، وتعلن في خطابها السياسي أنها جاءت لمواكبة طموحات القصر وتوجهاته.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يكفي أن نستعير الاسم حتى نرث المشروع؟ وهل يمكن صناعة الاستمرارية التاريخية بمجرد استحضار ذاكرة سياسية لم تعد تعكس بالضرورة واقع الممارسة؟
إن الكتلة الديمقراطية لم تكن مجرد اسم قابل للاستعمال كلما اقتضت الحسابات السياسية ذلك؛ كانت مرتبطة بلحظة تاريخية وبمطالب ديمقراطية وبأحزاب خاضت، بدرجات متفاوتة، معارك من أجل توسيع المجال السياسي وإقرار قواعد أكثر إنصافاً في ممارسة السلطة.
لذلك، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بتغير الأشخاص أو تبدل التحالفات، بل بتحول أعمق في موقع الأحزاب من السؤال الديمقراطي نفسه: من مساءلة السلطة إلى مواكبتها، ومن المطالبة بتغيير قواعد اللعبة إلى الاندماج في قواعدها القائمة، ومن بناء مشروع سياسي مستقل إلى البحث عن شرعية مستمدة من القرب من مراكز القرار.

ولا يعني هذا أن التاريخ السياسي لا يسمح بإعادة بناء التحالفات أو مراجعة الاختيارات؛ فالأحزاب الحية هي التي تتطور وتعيد تقييم تجاربها. لكن التطور شيء، ومصادرة الذاكرة الجماعية شيء آخر. والتحالفات الجديدة قد تكون مشروعة سياسياً، لكنها لا تكتسب شرعيتها التاريخية بمجرد استعارة أسماء وتجارب صنعتها معارك مختلفة وأجيال مختلفة.

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الذاكرة السياسية ليس النسيان وحده، بل إعادة كتابة التاريخ بما يخدم الحاضر، وتحويل الرموز النضالية إلى أدوات لتبرير اختيارات لا تنسجم بالضرورة مع المبادئ التي منحت تلك الرموز معناها.

فالكتلة الديمقراطية لم تكن مشروعاً لمواكبة السلطة، بل ارتبطت، في جوهرها التاريخي، بالسعي إلى إصلاح قواعد ممارستها، وتوسيع المجال الديمقراطي، وبناء شروط انتقال سياسي حقيقي. ومن هنا، فإن محاولة تقديم أغلبية حكومية مختلفة في منطلقاتها ووظيفتها باعتبارها امتداداً لها، لا تعيد إحياء التجربة بقدر ما تفرغ اسمها من مضمونه.

ليس كل تحالف امتداداً لتحالف سابق، وليس كل أغلبية وريثةً لمشروع تاريخي، وليس كل استدعاء للماضي وفاءً له.
إن الوفاء للكتلة الديمقراطية لا يكون باستعارة اسمها، بل باستحضار أسئلتها الكبرى: أين الديمقراطية في ممارسة السلطة؟ وأين استقلالية القرار الحزبي؟ وأين قدرة الأحزاب على تمثيل المجتمع والتعبير عن انتظاراته، لا الاكتفاء بتبرير اختيارات السلطة أو التكيف معها؟

أما تحويل هذا الإرث إلى يافطة سياسية لتجميل صورة أغلبية حكومية، فهو لا يمثل إحياءً للكتلة الديمقراطية، بل قد يكون شكلاً آخر من أشكال دفنها؛ دفنٌ لا يتم بإعلان نهايتها، وإنما بالإبقاء على اسمها بعد تفريغه من روحه، وتحويل ذاكرتها من مصدر للإلهام والنقد إلى وسيلة للتبرير والتسويق.

فالتاريخ لا يُورث بالأسماء، والمشاريع الديمقراطية لا تنتقل بمجرد تغيير المواقع، والذاكرة النضالية ليست ملكاً لمن يستحضرها، بل لمن يواصل الدفاع عن المعاني التي قامت من أجلها.

قد تنتهي الكتلة الديمقراطية كإطار سياسي، لكن السؤال الذي طرحته سيظل قائماً: هل تريد الأحزاب أن تكون شريكاً في بناء الديمقراطية، أم مجرد شريك في تدبير السلطة؟

ذلك هو الفارق بين إحياء المشروع واستغلال ذاكرته… وبين الوفاء لتاريخ سياسي، والاكتفاء بتوظيف رموزه في حاضر مختلف تماماً.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *