لشكر وبنعبد الله.. من معارضة «البام» بالأمس إلى البحث عن مقاعد الحكومة اليوم!

لشكر وبنعبد الله.. من معارضة «البام» بالأمس إلى البحث عن مقاعد الحكومة اليوم!
سعيد حافظي

في السياسة المغربية، هناك أشياء لا تحدث إلا عندما تقترب رائحة المناصب من أنوف السياسيين. فجأة تتغير اللغة، وتلين المواقف، وتصبح الخصومة القديمة مجرد اختلاف في وجهات النظر، وتتحول الخطوط الحمراء إلى خطوط وردية، ثم إلى جسور للعبور نحو الحكومة.

إدريس لشكر، الذي طالما انتقد حزب الأصالة والمعاصرة، وجد نفسه أمام سؤال بسيط في ظاهره، ثقيل في معناه: كيف كنت بالأمس تعارض هذا الحزب، واليوم تستعد للتحالف معه؟ فكان جوابه استحضار الذين عارضوا الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أصبحوا من المدافعين عن الإسلام.

لكن، عفوا، ما علاقة التحولات السياسية للأحزاب بمسارات الإيمان والهداية؟ أليست السياسة مجالا للمواقف والبرامج والمصالح العامة، لا مجالا لاستعارة المقدس من أجل تبرير الممكن؟ ثم من قال إن مراجعة المواقف عيب؟ العيب ليس أن تغير رأيك، وإنما أن تتصرف وكأنك لم تقل بالأمس ما قلته، وكأن ذاكرة المغاربة قصيرة إلى الحد الذي يسمح لك بإعادة كتابة التاريخ كلما تغيرت موازين القوى.

أما نبيل بنعبد الله، فقصته مع حزب الأصالة والمعاصرة لا تقل إثارة للسؤال. سنوات من التحذير من خطورة الحزب، وانتقادات حادة لطبيعة نشأته وأدواره في المشهد السياسي، وحديث متكرر عن المال الانتخابي واختلالات التنافس الديمقراطي. ثم، عندما أصبحت أبواب الأغلبية الحكومية موضوعا للتفاوض، اكتشفنا أن الخصومة ليست قدرا، وأن الذاكرة السياسية يمكن أن تدخل بدورها غرفة الانتظار إلى حين انتهاء مشاورات تشكيل الحكومة.

لا أحد يعترض على حق الأحزاب في التحالف. الديمقراطية ليست حربا أبدية بين الخصوم، والسياسة ليست سجنا للمواقف القديمة. لكن هناك فرقا بين تحالف تفرضه مراجعة سياسية واضحة، وتحالف تفرضه حسابات المقاعد ثم تأتي اللغة لتبحث له عن غطاء. الفرق بين الاثنين هو الصدق مع الناخبين، واحترام عقولهم، والقدرة على تفسير ما جرى دون الاختباء خلف العبارات الكبيرة.

السؤال الذي يهم المواطن ليس لماذا تحالف لشكر مع هذا الحزب أو ذاك، ولا لماذا اقترب بنعبد الله من خصم الأمس، بل لماذا كان هذا الخصم، في خطاب الأمس، يستحق كل ذلك التحذير، ثم أصبح في خطاب اليوم شريكا يمكن الجلوس معه لتدبير شؤون البلاد؟ هل تغيرت طبيعة الحزب؟ هل تراجعت المخاطر التي كان الحديث عنها يملأ المنابر؟ أم أن الذين تغيروا هم أصحاب الخطاب، بعدما تغير موقعهم من السلطة؟

هنا تكمن أزمة السياسة المغربية. ليست الأزمة في اختلاف الأحزاب، ولا في انتقالها من المعارضة إلى الأغلبية، بل في سهولة الانتقال من خطاب إلى نقيضه، دون مراجعة معلنة، ودون اعتراف بأن الناخب الذي صدق كلام الأمس يستحق تفسيرا اليوم.

السياسي ليس مطالبا بأن يكون أسير تصريحاته إلى الأبد، لكنه مطالب بأن يتحمل مسؤولية ما قاله. ومن حق المواطن أن يسأل، ومن واجب السياسي أن يجيب. أما أن يتحول كل تناقض إلى «واقعية سياسية»، وكل تراجع إلى «تغليب للمصلحة الوطنية»، وكل تحالف إلى «مرحلة جديدة»، فذلك يعني أن اللغة أصبحت وسيلة لتجميل الحسابات، لا أداة لكشف الحقائق.

ولعل أكثر ما يبعث على القلق أن المواطن بدأ ينظر إلى هذه المشاهد باعتبارها أمرا عاديا. يسمع الاتهامات في موسم، ويرى المصافحات في موسم آخر، ثم يطلب منه أن يتعامل مع الأمر باعتباره ذكاء سياسيا وحنكة في تدبير الاختلاف. والحال أن الديمقراطية لا تقوم فقط على صناديق الاقتراع، بل تقوم أيضا على الثقة، والثقة لا تنمو في تربة التناقضات التي لا تجد من يفسرها.

في النهاية، قد يحصل السياسي على مقعد في الحكومة، وقد يحصل حزبه على حقيبة وزارية، لكن ماذا عن رصيد المصداقية؟ ماذا عن الكلمات التي قيلت، والاتهامات التي أطلقت، والمخاوف التي زرعت في أذهان الناخبين؟ هل يكفي أن تتغير موازين التحالف حتى تصبح كل تلك الأسئلة بلا معنى؟

المشكلة ليست أن يجلس الخصوم حول مائدة واحدة، بل أن يجلسوا إليها دون أن يشرحوا للمغاربة لماذا كانوا، بالأمس القريب، يقنعونهم بأن الجلوس نفسه أمر يستحق التحذير.

في السياسة، يمكن أن تتغير التحالفات، لكن لا ينبغي أن تتغير الحقيقة بحسب موقع الحزب من الحكومة. فالكرسي قد يغير موقع صاحبه، لكنه لا يمحو ما قاله قبل الوصول إلي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *