السمعة أو الحقوق الفردية إلى حماية الثقة العامة وسلامة المجال العمومي.

السمعة أو الحقوق الفردية إلى حماية الثقة العامة وسلامة المجال العمومي.
متابعة مجلة24

وما يجعل مؤلف الدكتور عبد العزيز البعلي جديرًا بالقراءة أن صاحبه لم يحصر الموضوع في زاوية واحدة؛ فقد جمع بين التشريع والعمل القضائي والممارسة الصحفية، وهي ثلاث دوائر تتداخل باستمرار في قضايا النشر والإعلام والمحتوى الرقمي. كما أن اهتمام المؤلف السابق بقضايا الصحافة والقضاء، من خلال أعمال من بينها «الدفوع الشكلية في جرائم الصحافة والنشر»، يمنح هذا الكتاب امتدادًا طبيعيًا لمسار بحثي يهتم بالحدود القانونية للممارسة الإعلامية وبالعلاقة بين حرية الصحافة والمسؤولية القانونية.

وفي زمن أصبح فيه الهاتف المحمول غرفة أخبار مفتوحة، وأصبح كل مستخدم قادرًا على إعادة نشر معلومة خلال ثوانٍ، تتغير طبيعة المسؤولية نفسها؛ فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بمن يملك وسيلة إعلامية، وإنما بمن ينتج المحتوى، ومن يعيد نشره، ومن يقتطع جزءًا منه، ومن يمنحه عنوانًا مضللًا، ومن يحوله إلى مادة قابلة للانتشار الجماهيري. وهنا تبرز الحاجة إلى ثقافة قانونية وإعلامية جديدة تجعل التحقق من المعلومة ممارسة يومية، وتجعل المسؤولية عن المحتوى جزءًا من الوعي الرقمي، بدل ترك المجال لمنطق «انشر أولًا واسأل لاحقًا».

إن كتاب «الأخبار الزائفة في ضوء التشريع والعمل القضائي والصحفي» للدكتور عبد العزيز البعلي، وفق بنيته ومادته المعلنة، يقدم إذن معالجة تجمع بين التأصيل القانوني والاستحضار القضائي والبعد المهني الصحفي، ويضع القارئ أمام سؤال أكبر من مجرد معرفة حكم قانوني هنا أو مقتضى مهني هناك: كيف يمكن حماية الحق في المعلومة دون فتح المجال أمام التضليل، وكيف يمكن مكافحة الأخبار الزائفة دون المساس بجوهر حرية التعبير؟ تلك هي المعضلة التي تجعل الكتاب مرتبطًا بواقع الإعلام والقانون معًا، وتجعل قراءته تتجاوز حدود الرفوف القانونية إلى صميم النقاش حول مستقبل الثقة في المعلومة.

وفي النهاية، تكمن قيمة الكتاب في أنه يعالج ظاهرة أصبحت جزءًا من الحياة القانونية والإعلامية اليومية، ويقترح قراءتها عبر النص والاجتهاد والممارسة المهنية في آن واحد. فالأخبار الزائفة قد تبدأ بمنشور عابر، لكنها قد تنتهي بأثر قانوني أو اجتماعي واسع؛ وبين البداية والنهاية توجد مسؤولية الصحفي، ووعي القارئ، وتدخل المشرع، واجتهاد القضاء… وفي زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من الحقيقة، تظل مهمة القانون أن يجعل السرعة خاضعة للمسؤولية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *