حين تنقلب قواعد اللعبة: هل بدأ تغوّل الأحزاب على من صنعها؟
لماذا لا ننظر إلى تسريب الطلبي العلمي، وقبله بلاغ حزب التجمع الوطني للأحرار حول ما سماه «تهريب البرلمانيين»، من زاوية مختلفة، بل ومن زاوية قد تكون أكثر إيجابية بالنسبة للحركة السياسية؟
إذا انطلقنا، جدلًا، من فرضية أن الحزبين معًا ينتميان إلى منظومة سياسية لطالما ارتبطت في الوعي العام بفكرة التحكم في المجال الحزبي وتدبير التوازنات من أعلى، ثم افترضنا أن التسريب والبلاغ حقيقيان، وليسا جزءًا من تمثيلية سياسية أو صراع مُدار بعناية، فإننا نكون أمام سؤال أكبر من مجرد خلاف حزبي عابر:
هل بدأ أحد مكونات المنظومة السياسية يخرج عن حدود الدور الذي رُسم له؟
فإذا كان حزب الأحرار قد انتقل من موقع الحزب الذي يستفيد من قواعد اللعبة إلى موقع الحزب الذي يشتكي من اختلالها، ومن موقع الفاعل داخل منظومة التوازنات إلى موقع من يعتبر نفسه متضررًا منها، فذلك قد يعني أن الأداة نفسها بدأت تكتسب هامشًا من الاستقلالية عن الجهة التي صنعت شروط صعودها.
وهنا يصبح مفهوم «التغوّل السياسي» أكثر دلالة؛ ليس بمعنى أن الحزب أصبح مستقلاً بالضرورة، وإنما بمعنى أن الفاعل الحزبي قد يطور، مع الزمن، مصالحه وشبكاته وقواعده الانتخابية إلى درجة يصبح معها من الصعب التحكم الكامل في سلوكه السياسي.
وفي علم السياسة، يمكن قراءة هذه الظاهرة من خلال مفاهيم مثل استقلالية الفاعل السياسي، وإعادة توزيع موازين القوة، والتحول من التحكم المباشر إلى التحكم غير المباشر، واستقلال النخب الحزبية، وتآكل الوصاية السياسية.
وبهذه القراءة، قد لا يكون السؤال: «من سرّب؟ ومن أصدر البلاغ؟»، بل السؤال الأهم هو:
هل نحن أمام بداية تحوّل في العلاقة بين الدولة غير الرسمية، أو ما يسمى بالدولة العميقة، وبين الأحزاب التي نشأت أو تقوّت داخل هندسة سياسية معينة؟
ولعل أخطر ما في هذه اللحظة، إن كانت حقيقية، أن الحزب الذي كان يُنظر إليه باعتباره جزءًا من معادلة الضبط السياسي، أصبح هو نفسه يتحدث عن «تهريب» و«استقطاب» و«انتقال» للبرلمانيين. وهذا يعني أن قواعد اللعبة قد بدأت تنتج فاعلين قادرين على إعادة توجيه اللعبة نفسها.
وهنا يمكن استحضار روح تجربة عبد الرحيم بوعبيد، الذي كان يصر على أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، وإنما استقلال القرار السياسي وحرية الفاعل الحزبي. كما أن تجربة عبد الرحمن اليوسفي تذكرنا بأن السياسة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الأحزاب من مجرد أدوات للتدبير الانتخابي إلى مؤسسات لها استقلاليتها ومشروعها ومجتمعها السياسي.
لذلك، فإن ما يحدث اليوم، إذا كان حقيقيًا وغير مفبرك، قد يكون أقل أهمية من حيث صراع حزبين، وأكثر أهمية باعتباره اختبارًا لحدود التحكم في الحقل الحزبي.
وقد يكون أمامنا أحد احتمالين: إما أننا أمام صراع داخلي مُدار ومحسوب لإعادة ترتيب الخريطة الانتخابية، وإما أننا أمام لحظة انفلات نسبي للفاعل الحزبي من هندسة سياسية كانت تضبط حركته.
وفي الحالتين، فإن الظاهرة تستحق القراءة سياسيًا، لا السخرية منها فقط؛ لأن التحكم عندما يبلغ أقصى مداه قد ينتج عكس ما أراده أصحابه: فاعلين سياسيين يكتسبون من القوة ما يجعلهم أقل قابلية للتحكم.
وربما هنا تكمن المفارقة:
هل بدأت الأدوات تتحول إلى لاعبين؟ وهل بدأ اللاعبون يطالبون بحقهم في تغيير قواعد اللعبة؟

