استغلال النفوذ وتوظيف الشأن الديني في جهة “الشرق”: حين تتجاوز الإدارة المساطر لفرض “أمر واقع”
في الوقت الذي تراهن فيه المملكة على تحديث الحكامة الدينية وتحصين المساجد من التجاذبات، تثير معطيات ميدانية وشكايات متكررة بجهة الشرق تساؤلات حارقة حول “انحرافات إدارية” خطيرة، بتدخلات في تدبير شؤون الطريقة القادرية البودشيشية.
”هندسة” إدارية لخدمة أجندة المشيخة
وتشير المعطيات المتوفرة إلى دور محوري يلعبه المندوب الجهوي لجهة الشرق، والذي يُتهم بـ “هندسة المشهد الإداري” لضمان تمرير مشروع “تمشيخ” الأخ الأصغر (معاد)، رغم ما يثار حول غياب سنده الشرعي والإجماع عليه داخل الطريقة. وتجسدت هذه الهندسة، وفق المصادر ذاتها، في تعيين أحد الموالين لهذا الطرف مندوباً للشؤون الإسلامية بإقليم بركان، في خطوة فُسرت على أنها “تذليل للعقبات” وفتح لباب الاستثناءات التي لا تخضع للمساطر الصارمة المطبقة على باقي مساجد المملكة.
”معهد الفتح”.. خروقات قانونية وتجاوز للشهادات
يظل ملف “معهد الفتح للدراسات والعلوم الاسلامية” بمداغ النموذج الأبرز لهذه التجاوزات. ففي خرق واضح للمساطر المعمول بها، تم الترخيص بإقامة صلاة الجمعة فيه عام 2019 وتم ادراجه ضمن السجل الوطني للمساجد، رغم افتقاره لأدنى الشروط القانونية والتقنية:
أولا : المعهد لا يزال ورشاً مفتوحاً تعثرت أشغاله لسنوات، وقاعة الصلاة فيه ليست إلا جزءاً صغيراً من مشروع أكبر.
ثانيا : غياب “شهادة المطابقة” فقد تم تجاوز شرط “شهادة مطابقة الأشغال” الذي يعد عائقاً قانونياً أمام مئات المساجد المكتملة في المغرب، مما يكرس منطق “الازدواجية” في التعامل.
استغلال معاناة الساكنة حيث تؤكد المصادر أن قرار المندوبية استغل اغلاق مسجد “الإمام ابي بكر الصديق ” لسنوات قبل ان يتم هدمه والشروع في اعادة بنائه ، لفرض “الجمعة” في المعهد كآلية لتثبيت وضع المشيخة الحالي وتجاوز إرادة الفاعلين في المشروع الأصلي ورغبة الملاك القانونيين للعقار الذي يبنى عليه المعهد.
”قيمون أشباح” في قلب التوتر
ولا تتوقف الإشكالات عند حدود البناء، بل تمتد إلى تدبير الموارد البشرية. حيث كشفت تقارير عن ظاهرة “القيمين الدينيين الأشباح”؛ وهم أفراد يوالون مدعي المشيخة، يستفيدون من رواتب وخدمات مؤسسة الأعمال الاجتماعية دون ممارسة أي مهام فعلية.
هذا الوضع أفرز تداعيات أمنية واجتماعية، حيث تحول هؤلاء إلى أطراف تثير الاحتقان والشغب داخل الزاوية، وهو ما توثقه شكايات متكررة لدى مصالح الدرك الملكي، مما جعل “صلاة الجمعة” صلاة ضرار في هذا المعهد مصدراً للتشويش والتوتر عوض أن تكون فضاءً للسكينة.
صمت إداري أمام علامات الاستفهام
اللافت في هذا الملف، هو إصرار مندوبية الشؤون الاسلامية على الحفاظ على “معهد الفتح” كمركز للصلاة، رغم افتتاح مسجد “أبي بكر الصديق” المجاور الذي استأنف أنشطته الطبيعية. هذا الإصرار يطرح علامات استفهام كبرى حول الجدوى الإدارية من استغلال إحدى قاعات الزاوية -المخصصة أصلاً لأنشطة مختلفة من بينها الملتقى العالمي للتصوف- لأداء صلاة الجمعة، في تحدٍ واضح للملاحظات القانونية والاحتجاجات الاجتماعية.
إن الاستمرار في هذا الوضع يعطي انطباعاً لدى المشتكين بوجود “تواطئ رسمي مقصود” لتزكية طرف دون آخر، وهو ما يسيء بشكل مباشر لهيبة مؤسسات الدولة. إن ما يحدث بمداغ ليس مجرد تدبير إداري محلي، بل هو استغلال للنفوذ في خلاف مفتعل ، مما يجعل فتح تحقيق قضائي وإداري في هذه “التجاوزات الممنهجة” مطلباً ملحاً لاستعادة السير الطبيعي للانشطة الدينية والروحية وإيقاف استنزاف المال العام في “التمشيخ المفتعل”.

