سطات… حين يصبح “داء السعار” أقل خطورة من عطلة نهاية الأسبوع!

سطات… حين يصبح “داء السعار” أقل خطورة من عطلة نهاية الأسبوع!
بقلم: فوزي بوزيان

في بلد يُقال فيه إن الحق في العلاج مضمون دستورياً، يبدو أن بعض المرافق الصحية ما تزال تشتغل بمنطق “الدوام الإداري”، حتى وإن تعلق الأمر بمرض قاتل لا يعترف لا بالأحد ولا بالعطل ولا بمزاج الموظفين. هكذا وجدت أسرة تنحدر من جماعة أولاد فارس نفسها في مواجهة عبث إداري وصحي مؤلم، بعدما قطعت حوالي 70 كيلومتراً نحو مدينة سطات لإنقاذ إحدى قريباتها التي تعرضت لعضة كلب، قبل أن تُفاجأ بإغلاق مركز محاربة داء السعار، وكأن فيروس السعار بدوره مطالب باحترام توقيت العمل الإداري!

المشهد لا يحتاج إلى كثيرت من البلاغة لوصفه: أسرة مذعورة، مصابة تحتاج إلى تدخل مستعجل، طريق طويلة، خوف من المجهول، ثم باب موصد في وجه الحياة نفسها. لا طبيب، لا ممرض، لا حارس يقدم توضيحاً، ولا حتى ورقة صغيرة تخبر المواطنين أين يذهبون حين يغلق “مركز النجاة” أبوابه.

المثير للسخرية السوداء أن داء السعار ليس نزلة برد موسمية يمكن تأجيلها إلى يوم الاثنين، بل مرض قاتل وخطير، والتأخر في تلقي اللقاح قد يحول الإصابة إلى حكم بالإعدام البيولوجي. لكن يبدو أن بعض المسؤولين ما زالوا يتعاملون مع الأمر بعقلية “ارجع غدا”، حتى وإن كان المواطن يصارع الموت أو الرعب أو الفقر أو المسافة.

والأدهى أن إقليم سطات، بكل ثقله الديمغرافي والجغرافي، لا يتوفر سوى على مركز وحيد لمحاربة داء السعار، بعد إغلاق مركز ابن أحمد، في وقت تعيش فيه جماعات عديدة مثل سيدي حجاج والبروج وثلاثاء الأولاد ورأس العين خصاصاً مهولاً في الخدمات الصحية الأساسية. المواطن القروي هنا لا يبحث عن رفاهية طبية ولا عن مصحات فاخرة، بل فقط عن “باب مفتوح” حين تقترب الكلاب الضالة من أجساد الأطفال والفلاحين والرعاة.

الحادثة تعيد طرح سؤال قديم جديد: ماذا يعني مبدأ استمرارية المرفق العمومي؟ وهل تصبح حياة المواطن مؤجلة إلى حين نهاية العطلة الأسبوعية؟ ثم أي حكامة صحية هذه التي تترك إقليماً بأكمله رهين مركز واحد قد يغلق أبوابه في أي لحظة؟

الواقع أن العالم القروي بسطات لم يعد يئن فقط من الجفاف وندرة الماء واهتراء الطرق، بل أصبح يواجه أيضاً جفافاً في الرحمة الإدارية، حيث يتحول العلاج إلى رحلة شاقة بين الأبواب المغلقة والمسافات الطويلة والانتظار القاتل.

المطلوب اليوم ليس بيانات التبرير ولا لغة الخشب المعتادة، بل فتح تحقيق جدي في الواقعة، ومحاسبة كل تقصير محتمل، مع إرساء نظام مداومة حقيقي يضمن استقبال الحالات المستعجلة طوال أيام الأسبوع. لأن حياة الناس لا يجب أن تُربط بمزاجية التوقيت الإداري، ولأن المرفق العمومي وُجد لخدمة المواطن، لا لتعليمه كيف يعود خائباً إلى قريته وهو يحمل الخوف بدل العلاج.

ويبقى السؤال الأكثر قسوة: كيف يُطلب من مواطن بسيط أن يثق في منظومة صحية، وهو يجد باب النجاة موصداً في وجهه يوم الأحد؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *