التكامل المعرفي والمهني: نحو رؤية جديدة لولوج الأساتذة الجامعيين لمهنة المحاماة بالمغرب

التكامل المعرفي والمهني: نحو رؤية جديدة لولوج الأساتذة الجامعيين لمهنة المحاماة بالمغرب
متابعة مجلة 24

​مدخل:

​لا يعد النقاش الراهن حول ولوج الأساتذة الجامعيين لمهنة المحاماة مجرد جدل مهني عابر، بل هو لحظة كاشفة عن حاجة ماسة لإعادة بناء الجسور بين فضاءين ظلا، لاعتبارات تاريخية ومؤسساتية، يسيران في مسارات متوازية: فضاء الجامعة وميدان العدالة. إن الرهانات الجديدة التي تواجه المنظومة القانونية المغربية تفرض تجاوز حالة الانفصال الحالية نحو نموذج أكثر تكاملاً، يعيد الاعتبار للمعرفة القانونية بصفتها قوة اقتراح وتأثير داخل قاعات المحاكم لا في مدرجات الدرس فحسب.

​إن الدفاع عن حق الأستاذ الجامعي في ممارسة المحاماة لا ينبغي أن يُفهم كامتياز وظيفي، بل هو استحقاق تمليه الخبرات العلمية المتراكمة والقدرات التحليلية العميقة التي يمتلكها هؤلاء الأساتذة، خاصة وأنهم يساهمون فعلياً في تأطير أجيال من القضاة والمحامين، فمن غير المنطقي أن يُحرم الفاعل القانوني من الانخراط العملي في المجال الذي يدرسه ويطوره نظرياً.

​أولاً: في ضوء التوجيهات الملكية.. عدالة قائمة على الكفاءة وتكامل الأدوار

​لقد أكدت الخطب الملكية السامية في أكثر من مناسبة أن إصلاح منظومة العدالة ليس خياراً تقنياً محدوداً، بل هو ورش استراتيجي يهدف إلى تعزيز الثقة وترسيخ دولة الحق والقانون وضمان نجاعة المؤسسات. وفي هذا السياق، شدد جلالة الملك على ضرورة الارتقاء بجودة الموارد البشرية داخل منظومة العدالة باعتبارها حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي.

​ومن هذا المنطلق، فإن تمكين الأستاذ الجامعي من ولوج مهنة المحاماة ينسجم تماماً مع هذه الرؤية الملكية، إذ يفتح المجال أمام إدماج كفاءات علمية عالية داخل الممارسة المهنية، مما يثري النقاش القضائي ويرتقي بمستوى الترافع. فالأستاذ الجامعي لا يحمل رصيداً معرفياً فقط، بل يمتلك قدرة على استحضار البعد المقارن وتحليل النصوص في سياقها التاريخي والوظيفي، وهو ما تحتاجه العدالة المعاصرة في ظل تعقيد التشريعات وتسارع التحولات.

​كما أن هذا التوجه يتماشى مع فلسفة النموذج التنموي الجديد الذي دعا إلى تعبئة كافة الكفاءات الوطنية وإزالة العوائق التي تعيق مساهمتها في التنمية. لذا، فإن الإبقاء على قيود تحد من ولوج الجامعيين للمحاماة، دون مبررات موضوعية قوية، يفوت على المنظومة القانونية فرصة الاستفادة من طاقات فكرية قادرة على تجديد الخطاب القانوني وتطوير الممارسة.

​ثانياً: في ضوء التجارب المقارنة..

تكامل يغني العدالة ولا يربكها

​عند استقراء التجارب الدولية، يتضح أن الجمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة ليس ممكناً فحسب، بل هو خيار مؤسس عليه في العديد من الأنظمة القانونية المتقدمة. ففي فرنسا، يزاوج عدد من كبار الأساتذة بين المحاضرة الجامعية والمرافعة القضائية، مما يجعل الجامعة مختبراً حياً لإنتاج معرفة متصلة بالواقع. وفي كندا والولايات المتحدة، يتم تشجيع هذا التداخل من خلال برامج التعليم القانوني العملي التي تجعل الأستاذ فاعلاً مباشراً في حل النزاعات وتأطير الطلبة داخل قضايا حقيقية.

​هذه النماذج لا ترى في الأستاذ الجامعي منافساً لباقي المهنيين، بل شريكاً في تطوير المهنة بما يحمله من عمق نظري وقدرة على الابتكار القانوني. إن هذا التزاوج يخلق دينامية إيجابية داخل الحقل القانوني، حيث تغذي الممارسةُ البحثَ العلمي، ويغذي البحثُ الممارسةَ، في دائرة تكامل لا تناقض فيها.

​وبالقياس على ذلك، فإن المغرب، المنخرط في مسار تحديثي لطموح منظومته القانونية، مدعو إلى استلهام هذه التجارب مع مراعاة خصوصياته، وذلك من خلال وضع إطار قانوني منظم يتيح للأساتذة الجامعيين ولوج المهنة وفق شروط واضحة تضمن احترام أخلاقيات المهنة وتفادي تضارب المصالح دون إفراغ هذا الحق من مضمونه.

​خاتمة:

​إن الرهان اليوم ليس الدفاع عن فئة بعينها، بل الدفاع عن فكرة أن العدالة لا تزدهر إلا حين تتلاقى فيها الخبرة مع المعرفة والممارسة مع الفكر. والأستاذ الجامعي بما يحمله من رصيد علمي وأخلاقي قادر على أن يكون قيمة مضافة حقيقية داخل هذا الورش الإصلاحي الكبير.

​وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل نريد جامعة معزولة عن واقعها أم جامعة فاعلة تسهم في صناعة العدالة؟ إن الجواب، في ضوء التوجيهات الملكية والتجارب المقارنة، يميل بوضوح نحو الخيار الثاني: خيار الانفتاح والتكامل لا الانغلاق والانفصال.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *