الاتحاد الاشتراكي بسطات… تزكية مثيرة للجدل تعيد سؤال النخب والتمثيلية

الاتحاد الاشتراكي بسطات… تزكية مثيرة للجدل تعيد سؤال النخب والتمثيلية
متابعة مجلة 24

يثير قرار حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تزكية برلماني بسطات غير مرحب به من طرف الناخبين، ويفتقد للدعم داخل الكتابة الإقليمية، الكثير من علامات الاستفهام حول منطق الاختيار ومعايير الانتقاء داخل الحزب. ويتعلق الأمر باسم سعيد النميلي، الذي يعود إلى الواجهة السياسية المحلية رغم الانتقادات التي طالت أداءه خلال الولاية السابقة، في مشهد يعكس مفارقة لافتة بين منطق التزكية الحزبية وانتظارات القاعدة الانتخابية.

في سياق يتسم بارتفاع منسوب الوعي السياسي لدى المواطنين، لم تعد التزكيات الحزبية تمر دون مساءلة أو نقاش. فساكنة سطات، التي تترقب تمثيلية سياسية قادرة على الترافع الجاد عن قضاياها التنموية والاجتماعية، تجد نفسها مرة أخرى أمام إعادة إنتاج لنفس الأسماء، رغم محدودية الحصيلة السابقة. وهو ما يطرح سؤالًا مركزيًا: إلى أي حد تستحضر الأحزاب تحولات المزاج الانتخابي وهي تعيد توزيع أوراقها السياسية؟
لم يتمكن البرلماني المعني، بحسب عدد من المتابعين للشأن المحلي، من تحقيق حضور فعّال داخل المؤسسة التشريعية، ولا من بناء جسور تواصل حقيقية مع الساكنة، كما لم ينجح في تقوية موقع الحزب بالإقليم. وهي مؤشرات لا تتعلق فقط بتقييم أداء فردي، بل تعكس خللًا أعمق في آليات المحاسبة الحزبية، حيث يغيب في كثير من الأحيان ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل التنظيمات السياسية نفسها، رغم رفعه كشعار في الخطاب العام.
يمتد الجدل ليشمل طبيعة القرار الحزبي ذاته، حيث يفتقد المعني بالأمر لدعم داخل الكتابة الإقليمية، ما يعيد إلى الواجهة إشكالية الديمقراطية الداخلية. فحين تتباين اختيارات القيادة مع توجهات القواعد، يطرح السؤال حول من يملك فعليًا سلطة القرار داخل الحزب: هل هي المؤسسات التمثيلية أم شبكات النفوذ والتوازنات غير المعلنة؟ وهل تتحول التزكية إلى آلية لإعادة إنتاج نفس النخب بدل تجديدها؟
ولا يمكن فصل هذه الواقعة عن سياق أوسع يهم أزمة الوساطة الحزبية في المغرب، حيث تعاني العديد من الأحزاب من تراجع في قدرتها على تأطير المواطنين واستقطاب نخب جديدة. إن إعادة تزكية نفس الوجوه، دون تقييم موضوعي للأداء، يساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والحزب، ويغذي الإحساس بعدم جدوى المشاركة السياسية، خاصة لدى فئات الشباب التي تبحث عن نماذج جديدة في الفعل السياسي قائمة على الكفاءة والمصداقية.
كما أن هذه التزكية تطرح سؤالًا حرجًا حول مفهوم “الشرعية التمثيلية”: هل تُستمد من مجرد الانتماء الحزبي والتزكية التنظيمية، أم من القدرة الفعلية على تمثيل انتظارات المواطنين والتفاعل مع قضاياهم اليومية؟ فالممارسة السياسية لم تعد تقاس فقط بالحضور داخل المؤسسات، بل بمدى التأثير الحقيقي في السياسات العمومية محليًا ووطنياً.
أكثر من ذلك، تكشف هذه الحالة عن حدود الخطاب الإصلاحي داخل الأحزاب، حين لا يواكبه تجديد فعلي في النخب والآليات. فالدعوة إلى تحديث العمل السياسي تظل مجرد شعار، إذا لم تُترجم إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار لمعايير الاستحقاق والكفاءة، وتقطع مع منطق “الاستمرارية المريحة” التي تُبقي على نفس الأسماء رغم تغير السياقات.
يضع هذا الوضع حزب الاتحاد الاشتراكي أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على إعادة بناء ذاته تنظيميًا وسياسيًا، واستعادة ثقة الشارع التي تآكلت بفعل تراكمات سابقة. وهو اختبار لا يهم الحزب وحده، بل يمتد إلى مجمل الحقل الحزبي، الذي بات مطالبًا اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة تعريف علاقته بالمجتمع، على أساس الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
يبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل تشكل هذه التزكية تعبيرًا عن عجز بنيوي في تجديد النخب، أم أنها مجرد لحظة عابرة في مسار قابل للتصحيح؟ وهل يمتلك الحزب الجرأة الكافية لفتح نقاش داخلي صريح حول اختياراته، أم أن منطق التوافقات الضيقة سيستمر في توجيه بوصلته؟
أسئلة لا تخص سطات وحدها، بل تعكس وضعًا أوسع، حيث يتقاطع المحلي بالوطني، ويصبح الرهان الحقيقي هو استعادة السياسة لمعناها النبيل: خدمة الصالح العام، لا إعادة تدوير نفس الأجوبة لأسئلة تتغير باستمرار.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *