أزلو محمد يكتب: حكومة عين ميكا”حين تتقاطع السياسات مع نبض الشارع المغربي”

أزلو محمد يكتب: حكومة عين ميكا”حين تتقاطع السياسات مع نبض الشارع المغربي”
أزلو محمد

في مشهد سياسي يتكرر على نحو لافت، يجد جزء واسع من المغاربة أنفسهم أمام قرارات حكومية تبدو، في نظرهم، منفصلة عن تطلعاتهم اليومية وانتظاراتهم المعيشية. ومن بين أبرز الأمثلة التي عادت إلى الواجهة في السنوات الأخيرة، قضية الإبقاء على التوقيت الصيفي (غرينيتش +1) بشكل دائم، رغم ما يوصف بإجماع شبه كلي داخل المجتمع على الرغبة في العودة إلى توقيت غرينيتش كساعة رسمية للمملكة.

هذا التباين بين القرار الرسمي والرأي العام أعاد إلى التداول تعبير “حكومة عين ميكا”، في إشارة مجازية إلى حكومة يُنظر إليها كأنها ترى ولا تبصر، أو تدرك حجم الرفض الشعبي دون أن تتفاعل معه بالقدر الكافي. ويعكس هذا الوصف، وإن كان شعبياً، شعوراً متنامياً لدى فئات مختلفة من المواطنين بأن صوتهم لا يجد طريقه إلى دوائر القرار.

قد يبدو النقاش حول التوقيت مسألة تقنية بسيطة، لكنه في الواقع يتجاوز ذلك ليصبح قضية اجتماعية ونفسية بامتياز. فقد عبّر كثير من المغاربة عن معاناتهم من آثار الساعة الإضافية، خاصة خلال فصل الشتاء، حيث يتجه التلاميذ والعمال إلى مدارسهم وأعمالهم في ساعات الفجر الأولى، وسط ظلام دامس وظروف مناخية قاسية أحياناً.

كما أثار الموضوع نقاشاً واسعاً حول الإنتاجية وجودة الحياة، حيث يرى معارضو التوقيت الحالي أنه لا يحقق الفوائد الاقتصادية المعلنة، بقدر ما يثقل كاهل الأسر ويؤثر سلباً على نمط عيشها اليومي. في المقابل، تتمسك الحكومة بمبررات ترتبط بتقليص استهلاك الطاقة، وتحسين التوافق مع الشركاء الاقتصاديين الدوليين.
غير أن جوهر الإشكال، كما يراه مراقبون، لا يكمن فقط في قرار التوقيت، بل في طريقة تدبيره والتواصل بشأنه. فالإحساس بعدم الإنصات للرأي العام قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً لأي نموذج ديمقراطي يسعى إلى ترسيخ المشاركة والتفاعل.

لقد أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب بعض المبادرات المدنية، حجم التعبئة الشعبية الرافضة للتوقيت الحالي، ما يطرح تساؤلات حول مدى اعتبار هذه المؤشرات الرقمية والواقعية في صناعة القرار العمومي.
تجد الحكومة نفسها، في هذا السياق، أمام معادلة معقدة: كيف توفق بين ما تعتبره ضرورات اقتصادية واستراتيجية، وبين مطالب اجتماعية واسعة؟ وهل يمكن إعادة النظر في القرار، أو على الأقل فتح نقاش وطني شفاف حوله، يضمن إشراك مختلف الفاعلين؟

إن تجارب دول أخرى أظهرت أن السياسات العمومية الأكثر نجاحاً هي تلك التي تُبنى على التوافق، أو على الأقل على تبرير واضح ومُقنِع للخيارات المتخذة، مع الاستعداد لتعديلها عند الحاجة.
يبقى ملف التوقيت في المغرب نموذجاً مصغراً لإشكالية أوسع تتعلق بعلاقة الدولة بالمجتمع. فحين يشعر المواطن أن صوته مسموع ومؤثر، تتعزز الثقة وتُبنى شراكة حقيقية في تدبير الشأن العام. أما حين يغيب هذا الإحساس، فإن تعبيرات من قبيل “حكومة عين ميكا” ستظل تتردد، ليس فقط كجملة عابرة، بل كعنوان لمرحلة تحتاج إلى مراجعة عميقة في أسلوب الحكامة والتواصل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *