واحد وستون عامًا على انتفاضة 23 مارس 1965: حين خذل الزمن حلم المدرسة والعدالة

واحد وستون عامًا على انتفاضة 23 مارس 1965: حين خذل الزمن حلم المدرسة والعدالة
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

تمر اليوم واحد وستون سنة على انتفاضة 23 مارس 1965، تلك اللحظة المفصلية التي لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل كانت تعبيرًا مكثفًا عن توتر اجتماعي عميق، وعن وعي جماعي كان يتشكل في اتجاه المطالبة بالكرامة والعدالة، عبر بوابة أساسية: التعليم. لم يكن الشارع المغربي آنذاك يثور من أجل تحسين ظرفي، بل كان يحتج من أجل الحق في المستقبل، من أجل مدرسة عمومية تفتح أبواب الترقي الاجتماعي أمام أبناء الفئات الشعبية، وتجعل من المعرفة أداة للتحرر لا امتيازًا طبقيا.
في تلك اللحظة، كان التعليم يُنظر إليه باعتباره السلم الوحيد نحو الارتقاء الاجتماعي، وكان الولوج إلى المدرسة العمومية يحمل في طياته وعدًا ضمنيًا بالخروج من دائرة الهشاشة. لذلك لم تكن مطالب التلاميذ والطلبة معزولة عن السياق العام، بل كانت امتدادًا لصراع اجتماعي وسياسي حول توزيع الفرص داخل المجتمع. لقد كان الحلم واضحًا: مدرسة عادلة، مجتمع منصف، ودولة تضمن تكافؤ الحظوظ.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الحلم، الذي دُفع ثمنه من الاحتجاج والقمع، لم يصمد أمام تحولات الزمن. فبعد أكثر من ستة عقود، يبدو أن المدرسة العمومية فقدت جزءًا كبيرًا من رمزيتها، وتحولت في المخيال الجماعي لدى فئات واسعة إلى فضاء لا يضمن بالضرورة الارتقاء الاجتماعي. لم يعد التعليم يُنظر إليه كرافعة حاسمة للنجاح، بل أصبح في نظر البعض مجرد مسار إجباري، أو خيارًا ثانويًا مقارنة بمسارات أخرى يفرضها منطق السوق أو ثقافة الاستعراض الرقمي.
لقد تغيرت منظومة القيم بشكل لافت، حيث صعدت أنماط جديدة من النجاح لا تمر بالضرورة عبر المعرفة أو التحصيل العلمي، بل عبر الشهرة السريعة ومنصات التواصل الاجتماعي، مثل تيك توك وإنستغرام، التي أعادت تشكيل طموحات الأجيال الصاعدة، وخلقت نماذج بديلة للنجاح تقوم على الظهور لا على التراكم المعرفي. وفي خضم هذا التحول، تراجعت صورة المدرسة، ليس فقط كمؤسسة، بل كقيمة رمزية داخل المجتمع.
ولا يمكن فهم هذا التراجع دون استحضار التحولات السياسية والثقافية التي عرفها المغرب منذ ستينيات القرن الماضي. ففي مرحلة ما بعد الانتفاضة، كان اليسار المغربي يشكل حاملًا لمشروع مجتمعي واضح، يقوم على العدالة الاجتماعية وتحرير الإنسان من مختلف أشكال الهيمنة. كما كانت الساحة الثقافية غنية بنقاشات فكرية عميقة، ساهمت فيها مجلات رائدة مثل “أنفاس” و”بديل” و”أنوال”، وشخصيات فكرية وازنة من قبيل محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وطه عبد الرحمن، الذين أسهموا في تأطير الوعي الجماعي وفتح آفاق التفكير النقدي.
أما اليوم، فيبدو المشهد أكثر تعقيدًا، حيث تراجعت الأدوار التأطيرية للنخب الفكرية والسياسية، وبرزت أشكال جديدة من الخطاب العمومي يغلب عليها الطابع السطحي والانفعالي. لم يعد النقاش العمومي يتمحور حول أسئلة كبرى من قبيل العدالة الاجتماعية أو إصلاح التعليم، بقدر ما أصبح أسير لحظات عابرة تفرضها خوارزميات المنصات الرقمية.
ورغم ذلك، لا يمكن القول إن كل شيء قد انهار، فالمغرب عرف تحولات مهمة على مستويات متعددة، وهناك محاولات إصلاحية لا يمكن إنكارها، خاصة في مجال السياسات العمومية المرتبطة بالتعليم. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في الإصلاحات التقنية، بل في غياب مشروع مجتمعي واضح يعيد الاعتبار للمدرسة كفضاء للارتقاء، ويعيد الثقة في التعليم كأداة للعدالة الاجتماعية.
إن استحضار ذكرى 23 مارس اليوم ليس مجرد تمرين في الذاكرة، بل هو مناسبة لطرح أسئلة مؤرقة: ماذا تبقى من حلم المدرسة العمومية؟ هل ما زال التعليم قادرًا على لعب دوره كرافعة للاندماج الاجتماعي؟ أم أن المجتمع دخل مرحلة جديدة أصبح فيها النجاح منفصلًا عن المعرفة؟
بعد واحد وستين عامًا، يبدو أن التحدي لم يعد فقط في تعميم التمدرس، بل في استعادة المعنى. فبدون مدرسة قوية، عادلة، وذات مصداقية، يصبح الحديث عن تكافؤ الفرص مجرد شعار، وتتحول العدالة الاجتماعية إلى أفق مؤجل. وبين ذاكرة الانتفاضة وواقع اليوم، يظل السؤال معلقًا: هل أخلف التاريخ وعده، أم أن المجتمع هو من تخلى عن أحد أهم أحلامه؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *