هل العالم ساحة نفوذ مغلقة؟ قراءة في حدود القوة وصعود الدول تحت سقف النظام الدولي

هل العالم ساحة نفوذ مغلقة؟ قراءة في حدود القوة وصعود الدول تحت سقف النظام الدولي
بقلم : نبيل وداد

يبدو العالم اليوم، إلى حد بعيد، كمنظومة محكومة بتوازنات دقيقة، تتحكم فيها مراكز قوة كبرى ترسم حدود الحركة وتوزع الأدوار وفق مصالحها، لا وفق مبادئ العدالة أو تكافؤ الفرص. في هذا السياق، لا تتحرك الدول بحرية مطلقة، بل داخل هامش غير معلن، وأي محاولة لتجاوزه غالبا ما تقابل بردود فعل حادة، قد تصل إلى مستويات قصوى من الردع، كما تعكسه بعض الأزمات الجارية.هذا الواقع يطرح سؤالا جوهريا حول مسارات التقدم في العالم: هل صعود دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين وأوروبا كان نتيجة قدراتها الذاتية فقط، أم أنه جرى أيضا ضمن توازنات دولية سمحت لها بالنمو دون الاصطدام المباشر بالقوى المهيمنة؟ لا يتعلق الأمر هنا بنفي جهود هذه الدول، بل بطرح إشكالية حيادية البيئة الدولية، خاصة مع تزايد المؤشرات على سعي الولايات المتحدة إلى كبح الصعود الصيني بعد أن تحول إلى منافس استراتيجي مباشر.

ضمن هذا الإطار، يتضح أن التقدم لم يعد شأنا داخليا صرفا، بل يرتبط أيضا بمنظومة تحكم عالمية معقدة، في مقدمتها النظام المالي الدولي المرتكز على الدولار، والذي يمنح واشنطن قدرة واسعة على التأثير في اقتصادات الدول، سواء عبر العقوبات أو القيود أو أدوات الضغط غير المباشر. كما تلعب الهيمنة التكنولوجية دورا محوريا، حيث تعتمد البنية الرقمية العالمية بشكل كبير على شركات ومنصات أمريكية، ما يجعل الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة خاضعا بدوره لتوازنات القوة.في المقابل، لا يمكن إعفاء العالم العربي من مسؤولية تعثره التنموي، في ظل ضعف الاستثمار في البحث العلمي وبناء قاعدة معرفية مستقلة. غير أن بعض التجارب تظهر أيضا أن محاولات النهوض في مجالات حساسة قد تواجه عراقيل خارجية قوية، وهو ما يجعل مسار التنمية أكثر تعقيدا.

تجربة العراق تقدم نموذجا بارزا في هذا السياق، حيث عرف البلد في مرحلة معينة تقدما ملحوظا في مجالات التعليم والصحة والهندسة، قبل أن يتعرض لسلسلة من الضربات، بدأت باستهداف بنيته العلمية، مرورا بحصار طويل أثر بشكل عميق على مؤسساته، وصولا إلى تفكك واسع طال الكفاءات والبنية التحتية.أما في الحالة الإيرانية، فيبرز نموذج مختلف لكنه لا يخلو من التعقيد، حيث اختارت طهران مسارا يقوم على تحقيق قدر من الاستقلال في مجالات استراتيجية، ما وضعها في مواجهة مباشرة مع قوى كبرى. وقد انعكس ذلك في ضغوط اقتصادية مستمرة، وتحديات تقنية وعلمية، إضافة إلى توترات أمنية أثرت على مسارها التنموي.

وفي الأخير، يبدو أن التقدم في العالم المعاصر لم يعد نتيجة الإرادة الداخلية فقط، بل حصيلة تفاعل مع منظومة دولية تحكمها موازين قوة دقيقة. وبين من يرى في ذلك نظاما يكرس الهيمنة، ومن يعتبره إطارا لتنظيم العلاقات الدولية، يبقى السؤال مفتوحا: هل يمكن لدولة أن تحقق نهضة كاملة خارج هذا السقف، أم أن أي صعود يظل مشروطا بقبول ضمني من القوى المؤثرة في النظام العالمي؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *