إعادة بناء الفعل السياسي من خلال المواطن: نحو استعادة المعنى المفقود للسياسة
لم أكن يومًا من دعاة العدمية السياسية، ولا من المبشرين بخطاب التيئيس أو الانسحاب من الشأن العام. كما أنني لا أجد نفسي ضمن أولئك الذين يكتفون بإطلاق أحكام عامة حول “فساد السياسة” دون تقديم بدائل أو تصورات. ما أؤمن به، بعمق، هو أن الأزمة الحقيقية التي تعيشها السياسة اليوم لا تكمن فقط في المؤسسات أو الفاعلين، بل في فقدان نقطة الانطلاق الصحيحة: المواطن.
إن أي محاولة جادة لإعادة بناء الفعل السياسي لا يمكن أن تتم من خارج الإنسان، ولا من خارج احتياجاته الملموسة. فالمواطن، في جوهر العملية السياسية، ليس مجرد رقم انتخابي أو موضوع خطاب، بل هو الفاعل الحقيقي الذي يجب أن تُبنى على أساسه كل السياسات العمومية. احتياجاته الاقتصادية، من شغل وكرامة وعدالة اجتماعية؛ وتطلعاته السياسية، من مشاركة وتمثيلية ومساءلة؛ ومتطلباته الاجتماعية، من تعليم وصحة وأمن رمزي… كلها ليست مطالب هامشية، بل هي جوهر الفعل السياسي ذاته.
ومن هنا، فإن أي ممارسة سياسية لا تنطلق من هذه الحاجيات، ولا تسعى إلى ترجمتها إلى سياسات واقعية، تظل مجرد تمثيل شكلي للسياسة، فاقد للمعنى والتأثير. إنها سياسة بلا روح، بلا امتداد اجتماعي، وبلا قدرة على التغيير.
غير أن هذا الطرح يقودنا إلى سؤال أكثر عمقًا: هل يمكن الحديث عن فعل سياسي حقيقي في غياب دولة الحق والقانون؟
الجواب، في تقديري، لا.
ذلك أن الفعل السياسي، في معناه النبيل، هو ترافع منظم داخل فضاء مؤسساتي يضمن الحقوق والحريات، ويؤسس لتكافؤ الفرص في التعبير والمشاركة. ودولة الحق والقانون ليست مجرد شعار، بل هي الإطار الذي يحوّل السياسة من صراع عبثي إلى تنافس مشروع، ومن صخب فارغ إلى إنتاج فعلي للسياسات.
في غياب هذا الإطار، تتحول السياسة إلى لعبة مغلقة، تتحكم فيها شبكات المصالح، وتُقصى منها الإرادات الحقيقية للمواطنين. وهنا يفقد الفعل السياسي معناه، لأنه يصبح منفصلاً عن غايته الأساسية: خدمة الصالح العام.
لكن هذا لا يعني الاستسلام للأمر الواقع، بل على العكس، يفرض علينا مسؤولية مضاعفة: بناء شروط الفعل السياسي قبل ممارسته.
وهذا البناء لا يتم بقرارات فوقية، بل عبر دينامية مجتمعية واعية، تبدأ من الاعتراف بالاختلالات، ولا تنتهي عند حدود التشخيص.
في هذا السياق، يبرز الاحتجاج كآلية مشروعة وأساسية في إعادة تشكيل التوازنات. فالاحتجاج، حين يكون واعيًا، سلميًا، ومنظمًا، لا يمثل انفلاتًا أو تهديدًا للاستقرار، بل هو تعبير عن حيوية المجتمع، وعن قدرته على الدفاع عن نفسه في مواجهة الاختلالات. إنه أداة لإعادة توزيع القوة، ولإجبار الفاعلين السياسيين على الإصغاء لما تم تجاهله طويلًا.
غير أن الاحتجاج، في حد ذاته، ليس غاية، بل وسيلة ضمن مسار أوسع، يجب أن يشمل أيضًا تفعيل أدوار المجتمع المدني، وتقوية التنظيمات الحقوقية، وبناء أشكال جديدة من التعبئة السياسية التي تتجاوز القوالب التقليدية.
وهنا نصل إلى نقطة مفصلية:
هل يمكن إصلاح الفعل السياسي من داخل نفس الخريطة التي أنتجت أزمته؟
في تقديري، إن جزءًا كبيرًا من الإشكال يكمن في هذه الخريطة ذاتها، التي غالبًا ما تكون مشوهة، محكومة بمنطق الولاءات والمصالح الضيقة، بدل أن تعكس التعدد الحقيقي للمجتمع. لذلك، فإن الانخراط غير النقدي في هذه الخريطة لا يؤدي إلى الإصلاح، بل إلى إعادة إنتاج نفس الأعطاب.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط فاعلين جدد داخل نفس اللعبة، بل قواعد جديدة للعبة نفسها.
قواعد تُبنى على الشفافية، والمساءلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى مركزية المواطن في كل قرار.
وهذا يقتضي شجاعة فكرية وسياسية لرفض التموقع داخل بنيات فاقدة للشرعية المجتمعية، والعمل بدلًا من ذلك على بناء بدائل حقيقية، تنطلق من القيم الكبرى التي يجب أن تؤطر الفعل السياسي: العدالة، المساواة، الكرامة، وحقوق الإنسان.
إن إعادة بناء الفعل السياسي ليست مهمة سهلة، ولا مشروعًا قصير المدى، بل هي مسار طويل يتطلب وعيًا جماعيًا، وإرادة سياسية، وتراكمًا نضاليًا. لكنها، في الوقت نفسه، ليست مستحيلة، لأن شرطها الأول متوفر: وجود مواطن لم يعد يقبل أن يكون هامشيًا في معادلة تُدار باسمه.
في النهاية، لا يمكن أن نؤسس لسياسة ذات معنى دون أن نعيد الاعتبار للمواطن كفاعل مركزي، لا كموضوع للتدبير. ولا يمكن أن نبني مستقبلًا سياسيًا مختلفًا دون أن نتحرر من أوهام الإصلاح الشكلي، ونتجه نحو إعادة تأسيس حقيقية، تنطلق من المجتمع، وتعود إليه.
إنها دعوة لإعادة التفكير في السياسة… لا باعتبارها مجالًا للصراع فقط، بل باعتبارها فعلًا أخلاقيًا ومسؤولية جماعية، غايتها الأولى والنهائية: خدمة الإنسان.

