حي الحبوس بالدار البيضاء.. وجهة العائلات لاختيار الأزياء التقليدية مع اقتراب عيد الفطر
تعيش مدينة الدار البيضاء خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان على وقع أجواء خاصة، تمتزج فيها الروحانية بالحركية اليومية المتزايدة، مع اقتراب عيد الفطر الذي يشكل مناسبة للاحتفال وصلة الرحم. وفي خضم هذه الاستعدادات، يبرز حي الحبوس كواحد من أبرز الفضاءات التي يقصدها الباحثون عن الأناقة التقليدية المغربية.ويعد هذا الحي، الذي يعود تشييده إلى عشرينيات القرن الماضي، من المعالم الرمزية بالعاصمة الاقتصادية، بفضل طابعه المعماري المميز المستوحى من الهندسة الموريسكية الجديدة، وأزقته المنظمة وأقواسه الحجرية التي تمنحه جمالية خاصة وتجعله فضاء يحافظ على روح الأصالة المغربية.ومع اقتراب العيد، يتحول الحبوس إلى مركز نابض بالحياة، حيث تستقطب محلاته وورشاته عائلات من مختلف مناطق الدار البيضاء بحثا عن اللباس التقليدي المناسب لهذه المناسبة. وتزخر واجهات المحلات بتشكيلات متنوعة من الأقمشة الراقية، من الكتان والقطن إلى المخمل والأقمشة الفاخرة، بألوان هادئة وأخرى زاهية، تعكس جميعها براعة الحرفيين المغاربة ودقة اشتغالهم.
وتظهر في هذه القطع تفاصيل تقليدية متقنة، من تطريزات دقيقة إلى لمسات “السفيفة” المنسوجة يدويا، بما يمنح اللباس المغربي أناقة تجمع بين الفخامة والبساطة. وفي المقابل، تشهد ورشات الخياطة خلال هذه الفترة نشاطا مكثفا يمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، من أجل تلبية الطلبات المتزايدة قبل حلول العيد.ويؤكد مهنيون بالحي أن هذه الفترة تمثل ذروة الموسم السنوي، إذ تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية مع الرمزية الثقافية. وفي هذا السياق، أوضح أشرف الزوارة، صاحب محل للملابس التقليدية، أن الأسر تبحث عن أزياء تحافظ على الجذور المغربية وتنسجم في الوقت نفسه مع اللمسات العصرية.
وتعكس التصاميم المعروضة داخل محلات الحبوس هذا التوازن بين الأصالة والتجديد، حيث تحضر الألوان الرائجة والقصات الحديثة إلى جانب العناصر التقليدية التي تميز اللباس المغربي. كما يحرص الحرفيون على مواكبة أذواق الأجيال الجديدة، مع الحفاظ على جوهر هذا الموروث الثقافي.من جهته، أشار صابر وردان، وهو تاجر للملابس التقليدية، إلى أن الزبناء أصبحوا يميلون إلى الجمع بين الطابع الأصيل والنفحة العصرية، معتبرا أن التحدي الحقيقي يتمثل في صون روح اللباس التقليدي المغربي مع تكييفه مع التحولات الحديثة في الذوق والموضة.
ويظل الجلباب من أكثر القطع حضورا خلال هذه الفترة، سواء لدى الرجال أو النساء، بفضل تصاميمه المتجددة وتطريزاته العصرية. كما يحظى “الجلابادور” بإقبال لافت من فئة الشباب، لما يوفره من راحة وأناقة، فيما يواصل القفطان والتكشيطة الحفاظ على مكانتهما كرمزين للأناقة النسائية في المناسبات الكبرى.وتعكس الحركة اليومية داخل أزقة الحبوس أهمية هذه اللحظات بالنسبة للأسر المغربية، حيث تتحول عملية اقتناء ملابس العيد إلى طقس اجتماعي وعائلي يحمل أبعادا ثقافية وهوياتية، تتجاوز مجرد الاستهلاك إلى التعبير عن التمسك بالتقاليد.
وفي هذا الإطار، أكد محمد بلفقير، رئيس جمعية البازارات والتجار والحرفيين التقليديين بالحبوس، أن الحي يواصل أداء دوره كفضاء يحفظ أصالة الصناعة التقليدية المغربية، خاصة في هذه الفترة التي تعرف إقبالا كبيرا على الأزياء التقليدية المصنوعة محليا، بما يساهم في تثمين هذا التراث ونقله إلى الأجيال المقبلة.كما تشكل هذه الدينامية الموسمية دعما اقتصاديا مهما للعديد من الأسر، إذ يستفيد منها الخياطون والمطرزون والنساجون وصناع “السفيفة”، ما يضمن استمرار هذا الموروث الحرفي وتعزيز حضوره في المشهد الاجتماعي والثقافي المغربي.
وهكذا، يظل حي الحبوس بالدار البيضاء نموذجا حيا لتعايش الأصالة مع الحداثة، ومجالا يروي من خلال تفاصيله اليومية قصة التراث المغربي المتجدد. ومع اقتراب عيد الفطر، تتأكد مرة أخرى المكانة التي يحتلها اللباس التقليدي باعتباره جزءا أصيلا من الهوية المغربية، تحفظه مهارة الحرفيين وتمسك الأسر بقيمها وتقاليدها.

