سقوط النظام الإيراني: بين تفكيك التهديد وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
لا يمكن مقاربة مسألة سقوط النظام الإيراني بمعزل عن السياق الجيوسياسي المعقد الذي تشكّل خلال العقود الأربعة الأخيرة، حيث تحوّل هذا النظام إلى فاعل مركزي في إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول مكاسب سقوطه لا يندرج ضمن منطق التمنيات، بقدر ما يرتبط بتحليل موضوعي لمعادلات القوة، وطبيعة التحالفات، ومآلات الصراعات الإقليمية.
إن أولى النتائج المحتملة لسقوط هذا النظام تكمن في إعادة ترتيب الخريطة السياسية في المنطقة، بما ينعكس إيجاباً على قضايا الوحدة الترابية للدول، وعلى رأسها المغرب. فقد شكّل الدعم الإيراني، المباشر أو غير المباشر، لبعض الحركات الانفصالية أحد مظاهر التوظيف السياسي للصراعات، وهو ما يهدد استقرار الدول ووحدتها. وعليه، فإن تفكيك هذا الدعم سيؤدي حتماً إلى إضعاف تلك الحركات، وتجفيف مصادر قوتها الرمزية والمادية.
أما على مستوى التحالفات، فإن النظام الإيراني كان حجر زاوية في ما يمكن تسميته بمحور الممانعة أو محور الخصوم بالنسبة لعدد من الدول العربية، ومنها المغرب. وبالتالي، فإن سقوطه سيؤدي إلى تفكيك هذا المحور، وإعادة تشكيل التحالفات وفق منطق جديد أكثر توازناً، يتيح للدول إعادة بناء علاقاتها على أسس المصالح المشتركة بدل الصراعات الأيديولوجية.
وفي سياق متصل، لا يمكن إغفال التأثير المباشر الذي مارسه النظام الإيراني على أمن واستقرار دول الخليج العربي. فقد ارتبطت سياساته الخارجية بنمط من التدخل غير المباشر، عبر دعم جماعات مسلحة أو تغذية التوترات الطائفية، مما جعل المنطقة تعيش على إيقاع التهديد المستمر. ومن هنا، فإن سقوط هذا النظام سيساهم في تقليص منسوب التوتر، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي.
ومن بين أبرز التحولات المنتظرة أيضاً، تراجع نفوذ الميليشيات المرتبطة بإيران في عدد من بؤر التوتر، مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن، فضلاً عن امتداداتها في فلسطين. فهذه الميليشيات لم تكن مجرد فاعل محلي، بل تحوّلت إلى أدوات لتنفيذ سياسات إقليمية، وهو ما أضعف من سيادة الدول، وعمّق من أزماتها الداخلية. وبالتالي، فإن زوال هذا الدعم سيؤدي إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، وتقوية مؤسساتها الشرعية.
إن سياسة “تصدير الثورة” التي اعتمدها النظام الإيراني منذ 1979 شكّلت أحد أهم مصادر القلق في المنطقة، حيث قامت على التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومحاولة إعادة تشكيل أنظمتها وفق نموذج أيديولوجي محدد. وقد أدى هذا التوجه إلى خلق حالة من عدم الاستقرار، وإلى تأجيج الصراعات الطائفية والسياسية. ومن ثم، فإن نهاية هذه السياسة ستفتح المجال أمام احترام أكبر لسيادة الدول، وتعزيز مبدأ عدم التدخل.
غير أن الحديث عن مكاسب سقوط النظام الإيراني لا ينبغي أن يُفهم بمعزل عن التحديات التي قد تواكب هذا التحول. فالتجارب الدولية تُظهر أن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار الفوري، بل قد يفتح المجال أمام فراغ سياسي، أو صراعات داخلية، أو حتى تدخلات خارجية جديدة. وهو ما يفرض التفكير في سيناريوهات ما بعد السقوط، وكيفية إدارة المرحلة الانتقالية بما يضمن الاستقرار.
وفي هذا الإطار، يبرز دور النخب السياسية والفكرية في المنطقة، التي يُفترض أن تواكب هذه التحولات برؤية استراتيجية، توازن بين المصالح الوطنية ومتطلبات الأمن الإقليمي. كما أن المجتمع الدولي سيكون مطالباً بلعب دور مسؤول في دعم الاستقرار، وتفادي تكرار سيناريوهات الفوضى التي عرفتها بعض الدول.
إن المقاربة الواقعية تقتضي الإقرار بأن النظام الإيراني، في شكله الحالي، كان عاملاً مركزياً في إنتاج التوترات، وفي إعادة تشكيل الصراعات على أسس غير مستقرة. وبالتالي، فإن زواله قد يفتح نافذة لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر توازناً، يقوم على التعاون بدل الصراع، وعلى احترام السيادة بدل التدخل.
وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في سقوط هذا النظام، بل في ما يمكن أن يترتب عنه من إعادة تشكيل للعلاقات الدولية والإقليمية. فالمكاسب المحتملة لن تتحقق بشكل تلقائي، بل تتطلب إرادة سياسية، ورؤية استراتيجية، وقدرة على استثمار التحولات في اتجاه بناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
إنها لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، لحظة تفرض إعادة التفكير في مفاهيم القوة، والتحالف، والسيادة، وتدعو إلى تجاوز منطق الصراعات الصفرية نحو أفق جديد من التوازن والتعايش.

