طلوع: من تبرير الفوضى إلى تسييس الرياضة… قراءة معمقة في تناقضات بلاغ الحكومة السنغالية

طلوع: من تبرير الفوضى إلى تسييس الرياضة… قراءة معمقة في تناقضات بلاغ الحكومة السنغالية
متابعة مجلة 24

في سياق التفاعلات التي أعقبت المباراة النهائية وما رافقها من أحداث مثيرة للجدل، أكد الدكتور عبدالإله طلوع أن البلاغ الصادر عن الحكومة السنغالية لا يمكن قراءته باعتباره مجرد موقف رسمي عابر، بل هو نص مكثف يكشف عن بنية خطابية مرتبكة، تتأرجح بين التبرير السياسي وإعادة تشكيل الوقائع، في محاولة واضحة للتحكم في السردية بدل الانصياع للحقيقة.
وشدد طلوع على أن أولى تجليات هذا الارتباك تتجلى في الإصرار على توصيف المباراة بأنها أُجريت في ظروف عادية، وهو توصيف يتعارض بشكل صارخ مع معطيات الواقع، مبرزًا أن توقف اللقاء لمدة 17 دقيقة بسبب انسحاب المنتخب السنغالي لا يمكن تأويله خارج سياق الضغط والتأثير على مجريات المباراة. وأكد أن هذا السلوك، حين يُقترن بفوضى جماهيرية وأعمال تخريب موثقة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مفهوم “العادية” الذي يحاول البلاغ تكريسه.
وفي هذا الإطار، أعرب عن أن الخطاب الرسمي سقط في مفارقة بنيوية، حيث سعى إلى إنكار الاختلال في الوقت الذي كانت فيه الوقائع تفرض نفسها بقوة، وهو ما يعكس، في تقديره، محاولة واعية لإعادة صياغة الحدث وفق منطق سياسي يهدف إلى امتصاص الضغط الداخلي والخارجي، أكثر مما يسعى إلى قول الحقيقة.
وانتقل طلوع إلى تفكيك البعد القانوني في البلاغ، مشددًا على أن توصيف المتورطين في أعمال الشغب بـ“مشجعين محتجزين” ليس مجرد خطأ لغوي أو تعبير عابر، بل هو اختيار دلالي محمل بحمولة سياسية وقانونية خطيرة. وأكد أن هذا التوصيف يسعى إلى قلب موقع الفاعل من مُساءل إلى ضحية، في تجاهل تام لكون الأفعال المرتكبة تدخل ضمن نطاق الجرائم التي يعاقب عليها القانون في مختلف الأنظمة القانونية، بما فيها القانون الجنائي السنغالي نفسه.
وأضاف أن هذا التحوير في اللغة يعكس ما يمكن تسميته بـ“تسييس المفاهيم”، حيث يتم توظيف المصطلح القانوني لخدمة غاية سياسية، وهو ما يفرغ القانون من محتواه ويحوّله إلى أداة انتقائية، بدل أن يكون مرجعية ضابطة للسلوك.
وفي مستوى أعمق، شدد طلوع على أن البلاغ يكشف عن نزوع واضح نحو تسييس المجال الرياضي، مبرزًا أن تدخل الحكومة في توصيف أحداث ذات طبيعة رياضية وتنظيمية يعكس اختراقًا لمجال يفترض أن تحكمه مؤسسات مستقلة وقواعد واضحة. وأكد أن هذا التداخل بين السياسي والرياضي لا يُنتج سوى مزيد من التوتر، ويقوض الثقة في المؤسسات الرياضية، كما يفتح الباب أمام تدويل النزاعات بشكل غير مبرر.
كما أعرب عن أن ما حدث لا يمكن فصله عن التحولات التي يعرفها الحقل الرياضي عالميًا، حيث لم تعد الرياضة مجرد فضاء للتنافس، بل أصبحت مجالًا للصراع الرمزي بين الدول، تُستثمر فيه الانتصارات والهزائم لصياغة صور ذهنية وتوازنات رمزية. غير أن هذا التحول، بحسب طلوع، لا ينبغي أن يكون مبررًا لتبرير الفوضى أو الالتفاف على القانون.
وأكد في هذا السياق أن أخطر ما في البلاغ ليس فقط ما قاله، بل ما حاول إخفاءه، إذ تم القفز على وقائع موثقة، وتجاهل مسؤوليات واضحة، في مقابل بناء خطاب تبريري يسعى إلى إعادة ترتيب الأدوار بشكل يخدم سردية محددة.
وختم طلوع بالتأكيد على أن ما جرى يشكل لحظة كاشفة لاختبار العلاقة بين القانون والسياسة داخل المجال الرياضي، مشددًا على أن سيادة القانون تظل الضامن الوحيد لنزاهة المنافسات وعدالتها. وأبرز أن أي محاولة لتبرير الفوضى أو إعادة تعريفها بلغة سياسية لن تؤدي إلا إلى تقويض الثقة في المؤسسات، وإلى تكريس منطق الإفلات من المساءلة.
وفي الأخير، شدد على أن الدرس الأبلغ من هذه الواقعة هو أن الرياضة، مهما بلغت رهاناتها، يجب أن تظل محكومة بقواعد واضحة لا تقبل التأويل، وأن الحقوق لا تُصان بالبلاغات ولا تُحمى بالشعارات، بل تُؤسس على احترام صارم للقانون، باعتباره الإطار الوحيد القادر على ضمان العدالة والإنصاف داخل الملاعب وخارجها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *