الحروب لا تُسقط الأنظمة… وإيران مثال على حدود القوة العسكرية
خابت تقديرات العديد من التحليلات السياسية التي راهنت على أن التصعيد العسكري أو الضربات الخارجية يمكن أن يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني. فالتجارب التاريخية والسياسية تؤكد أن الحروب نادراً ما تكون أداة فعالة لإحداث تغيير سياسي داخلي مستدام، بل غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تدفع المجتمعات إلى الالتفاف حول الدولة في مواجهة ما تعتبره تهديداً خارجياً.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عبد الإله طلوع أن التجارب الدولية المعاصرة كشفت بوضوح محدودية الرهان على القوة العسكرية في فرض تغيير سياسي داخلي. وأشار إلى أن عدداً من القوى الكبرى حاول عبر التدخل العسكري إعادة تشكيل أنظمة سياسية في مناطق مختلفة من العالم، غير أن مآلات تلك التدخلات أظهرت في كثير من الأحيان نتائج معاكسة للتوقعات، حيث تعززت النزعات الوطنية داخل المجتمعات المستهدفة وازداد الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها في مواجهة التدخل الخارجي.
كما أكد أن ما يحدث في إيران يعكس هذه القاعدة السياسية المعروفة في علم السياسة والعلاقات الدولية، حيث يؤدي العدوان الخارجي أو التهديد العسكري في الغالب إلى توحيد مكونات المجتمع، حتى تلك التي قد تكون معارضة للنظام السياسي. ففي مثل هذه السياقات تتحول الأولوية لدى مختلف الفاعلين إلى الدفاع عن السيادة الوطنية، وهو ما يمنح الأنظمة السياسية قدرة أكبر على تعبئة المجتمع وتعزيز شرعيتها الداخلية.
وفي السياق نفسه، شدد طلوع على أن المجتمع الإيراني، رغم تنوع تياراته السياسية واختلاف مواقفه من السلطة، يمتلك تقاليد سياسية راسخة في مقاومة التدخل الخارجي. وأضاف أن مكونات واسعة من المجتمع، بما في ذلك بعض التيارات المعارضة، تجد نفسها في لحظات التهديد الخارجي أمام خيار الدفاع عن الدولة باعتبارها إطاراً سيادياً جامعاً، وهو ما يؤدي عملياً إلى تقوية النظام بدل إضعافه.
وفي معرض تحليله للبنية السياسية في إيران، اعتبر طلوع أن النظام الإيراني ليس مجرد سلطة سياسية عابرة، بل هو نظام تجذر داخل المجتمع ومؤسسات الدولة عبر عقود طويلة. فقد استطاعت الجمهورية الإسلامية منذ قيامها بناء شبكة مؤسساتية وسياسية متماسكة تجمع بين البعد الديني والبعد السياسي، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على تعبئة المجتمع في مواجهة خصوم الدولة.
كما أكد أن الأيديولوجيا الدينية التي يقوم عليها النظام الإيراني تشكل أحد أهم عناصر قوته، إذ توفر إطاراً رمزياً وسياسياً لتعبئة المجتمع، حيث يتم تقديم الصراع مع القوى الخارجية في كثير من الأحيان باعتباره صراعاً سيادياً وحضارياً، الأمر الذي يعزز من منسوب التعبئة الوطنية ويجعل فكرة إسقاط النظام عبر الحرب أمراً شديد التعقيد.
وفي هذا الإطار، أشار طلوع إلى أن التجربة الأفغانية تقدم مثالاً واضحاً على محدودية فعالية القوة العسكرية في إعادة تشكيل الأنظمة السياسية. فقد تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً في أفغانستان بهدف إسقاط نظام طالبان، وتمكنت بالفعل من إزاحته من الحكم لسنوات، غير أن انسحاب القوات الأمريكية أعاد الحركة إلى السلطة، بل في موقع أكثر قوة مما كانت عليه قبل التدخل العسكري.
كما اعتبر أن التجربة العراقية بدورها تكشف حدود منطق التغيير عبر الغزو العسكري. فرغم نجاح الولايات المتحدة في إسقاط نظام صدام حسين سنة 2003، فإن التطورات اللاحقة أظهرت أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار أو إعادة تشكيل التوازنات السياسية كما خُطط لها. بل إن العراق أصبح لاحقاً ساحة لتفاعلات إقليمية معقدة، وأصبحت القواعد العسكرية الأمريكية نفسها عرضة للاستهداف من داخل الأراضي العراقية.
وفي ضوء هذه المعطيات، شدد طلوع على أن تغيير الأنظمة السياسية لا يمكن أن يتم بشكل مستدام عبر الحرب أو التدخل العسكري الخارجي، بل هو مسار تاريخي وسياسي تحدده بالأساس التحولات الداخلية داخل المجتمعات والإرادة الشعبية. فالتاريخ السياسي المعاصر يبين أن الطائرات الحربية والصواريخ قد تسقط أنظمة في لحظة معينة، لكنها نادراً ما تستطيع بناء شرعية سياسية جديدة داخل المجتمعات.
وفي ختام تحليله، أكد الدكتور عبد الإله طلوع أن الرهان على إسقاط النظام الإيراني عبر القوة العسكرية يبقى رهانا سياسياً غير واقعي في ظل طبيعة هذا النظام وتجذره داخل المجتمع ومؤسسات الدولة، لأن التحولات السياسية الكبرى داخل الدول تصنعها الديناميات الداخلية وليس التدخل الخارجي.

