حين يتحول رمضان إلى موسم لتشويه القيم: الإعلام وصناعة البطل المتمرد

حين يتحول رمضان إلى موسم لتشويه القيم: الإعلام وصناعة البطل المتمرد
بقلم: الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

لم يعد النقاش حول الإنتاجات الرمضانية في المغرب مجرد جدل عابر حول جودة الأعمال الفنية أو مستوى الإخراج والسيناريو، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى سؤال عميق يرتبط بطبيعة الرسائل القيمية التي يتم تمريرها إلى المجتمع، خصوصاً إلى فئة الشباب والمراهقين. فشهر رمضان الذي كان تاريخياً مناسبة لتعزيز القيم الروحية والأخلاقية، أصبح في بعض الأحيان موسماً إعلامياً تُعاد فيه صياغة نماذج سلوكية ملتبسة قد تسهم في تشويه صورة النجاح والبطولة داخل المخيال الاجتماعي.

فإذا تأملنا صورة “الشاب الناجح” كما تُقدم في بعض الأعمال الفنية، سنجد أنها في كثير من الحالات لم تعد تعكس نموذج الشاب المجتهد الذي يصنع مستقبله بالعمل والاجتهاد والالتزام بالقيم، بل تحولت إلى صورة مختلفة تماماً. ففي عدد من المسلسلات والبرامج، يُقدم الشاب الناجح باعتباره شخصية متمردة على القواعد الاجتماعية، تسعى إلى فرض حضورها بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن كانت تلك الوسائل قائمة على العنف أو التحايل أو تجاوز القانون. وهكذا يتحول “التمرد” في المخيال الدرامي إلى طريق مختصر نحو الشهرة أو النفوذ، في حين يغيب النموذج الذي يربط النجاح بالاجتهاد والمسؤولية والالتزام الأخلاقي.

هذا التحول ليس مجرد اختيار فني بريء، بل يحمل في طياته آثاراً رمزية عميقة. فالإعلام، بحكم قدرته على التأثير في الوعي الجماعي، يسهم في تشكيل تصورات الشباب عن النجاح والسلطة والمكانة الاجتماعية. وعندما تتكرر صورة “البطل المتمرد” الذي يحقق أهدافه عبر القوة أو التسلط أو السلوك غير القانوني، فإن ذلك قد يخلق لدى بعض المتلقين انطباعاً مفاده أن الطريق إلى الاعتراف الاجتماعي لا يمر عبر العمل والجدية، بل عبر الصدام والتمرد.

والملاحظ أن بعض الإنتاجات الرمضانية المغربية أصبحت تميل إلى تقديم شخصيات ترتبط بالقوة والهيمنة على الآخرين، وغالباً ما تكون هذه القوة مصحوبة بسلوكيات عنيفة أو مواقف تتعارض مع القيم الاجتماعية والقانونية. ومع تكرار هذه الصور في الأعمال الدرامية، يتحول هذا النموذج تدريجياً إلى صورة مألوفة في الوعي الجماعي، خصوصاً لدى الفئات الشابة التي تبحث عن نماذج للاقتداء.

في المقابل، يكاد يغيب عن الشاشة ذلك النموذج البسيط والملهم للشاب الذي يبني مستقبله بالصبر والعمل والمعرفة. الشاب الذي ينجح لأنه يجتهد، ويكسب احترام الآخرين لأنه يتحلى بالأخلاق والمسؤولية، أصبح حضوره نادراً في العديد من الإنتاجات الفنية، رغم أنه النموذج الأكثر واقعية والأكثر انسجاماً مع حاجيات المجتمع.

لقد كان للفن في مراحل سابقة دور تربوي وثقافي واضح، حيث كانت الأعمال الرمضانية تحمل رسائل إنسانية تسعى إلى تعزيز قيم التضامن الأسري، واحترام الوالدين، والتعاون بين أفراد المجتمع. وكانت الدراما، في كثير من الأحيان، فضاءً يعكس طموحات المجتمع ويعزز قيمه الإيجابية. غير أن جزءاً من الإنتاجات الحالية يبدو وكأنه يسير في اتجاه مختلف، حيث أصبح التركيز في بعض الحالات منصباً على الإثارة الدرامية ولو كان ذلك على حساب الرسالة القيمية.

ومن بين القضايا التي تثير الانتباه أيضاً الطريقة التي يتم بها تصوير العلاقات الأسرية في بعض المسلسلات، حيث تُقدم أحياناً نماذج سلوكية تتسم بنوع من التوتر أو القطيعة مع قيم الاحترام التقليدية داخل الأسرة المغربية. ففي بعض المشاهد، يتم تصوير العلاقة مع الوالدين أو كبار السن بطريقة تتعارض مع الثقافة المجتمعية التي تجعل من احترام الوالدين أحد أهم ركائز التربية والقيم.

كما أن صورة الرجل داخل الأسرة تتعرض في بعض الأعمال لتقديم نمطي وسلبي، حيث يظهر أحياناً في صورة الشخص العاجز أو غير القادر على تحمل المسؤولية، وهو ما يخلق تمثلاً مشوهاً لدور الرجل داخل الأسرة. والمشكلة هنا لا تتعلق بإبراز قوة المرأة أو نجاحها، فذلك أمر إيجابي وضروري، وإنما تتعلق بتقديم صورة متوازنة تحترم فكرة التكامل داخل الأسرة بدل تقديم صراع رمزي بين أدوارها.
إن النقد هنا لا يستهدف الفن في حد ذاته، ولا يدعو إلى فرض رقابة صارمة على الإبداع، بل يطرح سؤال المسؤولية الثقافية والاجتماعية للإعلام. فالفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أيضاً أداة قوية في تشكيل الوعي الجماعي وتوجيه الذوق العام. وعندما يتعلق الأمر بفترة رمزية مثل شهر رمضان، فإن الرهان يصبح أكبر، لأن هذا الشهر يرتبط وجدانياً بالقيم الروحية والتضامن الاجتماعي.

لذلك، تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى إعادة التفكير في طبيعة الرسائل التي تحملها الأعمال الرمضانية، وإلى استعادة الدور الثقافي والتربوي للفن دون التضحية بجماليته أو حريته الإبداعية. فالمجتمع في حاجة إلى أعمال درامية تقدم نماذج ملهمة للشباب، وتبرز أن النجاح يمكن أن يتحقق بالعلم والعمل والاجتهاد، لا فقط بالصراع والتمرد.

إن الإعلام القوي هو الذي يستطيع أن يوازن بين الترفيه والمسؤولية، وأن يقدم محتوى جذاباً دون أن يفرغ المجتمع من قيمه. وفي هذا الإطار، يبقى التحدي الحقيقي أمام صناع الدراما هو القدرة على إنتاج أعمال فنية تحترم ذكاء المشاهد، وتعكس في الوقت نفسه عمق القيم التي يقوم عليها المجتمع المغربي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *