القرار الأممي 2797 وتحولات قضية الصحراء: أسئلة المرحلة الجديدة

القرار الأممي 2797 وتحولات قضية الصحراء: أسئلة المرحلة الجديدة
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

لم تعد قضية الصحراء المغربية اليوم مجرد ملف دبلوماسي تقليدي يُناقش في أروقة المؤسسات الدولية، بل تحولت إلى أحد أهم المؤشرات التي تعكس طبيعة التحولات الجيوسياسية التي يعرفها النظام الدولي المعاصر. فالقضية التي شكلت لعقود طويلة موضوع تجاذب سياسي وإقليمي أصبحت اليوم تدخل مرحلة جديدة من النقاش، خاصة في ظل المستجدات المرتبطة بصدور القرار الأممي قرار مجلس الأمن 2797 وما رافقه من تحركات دبلوماسية تعكس تحولات عميقة في طريقة تدبير هذا النزاع.
في هذا السياق، شكلت الندوة الفكرية التي احتضنتها مدينة سطات مبادرة مهمة لإعادة فتح النقاش العمومي حول مستقبل هذا الملف، من خلال قراءة سياسية وفكرية حاولت استحضار الأبعاد التاريخية والدبلوماسية والاستراتيجية للقضية.
لقد أظهرت النقاشات التي عرفتها الندوة أن ملف الصحراء دخل فعلاً مرحلة مختلفة عن المراحل السابقة. فالمفاوضات لم تعد تقتصر على الشعارات السياسية الكبرى التي هيمنت على الخطاب الدبلوماسي لسنوات طويلة، بل بدأت تتجه نحو مناقشة التفاصيل العملية للحلول الممكنة، وهو ما يعكس انتقال الملف من مرحلة الجمود النسبي إلى مرحلة البحث عن تسويات واقعية تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الجديدة في النظام الدولي.
غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن النزاع يقترب من نهايته، كما يعتقد البعض. فالقضايا الجيوسياسية الكبرى لا تُحسم عادة في لحظة واحدة، بل تمر عبر مسارات طويلة ومعقدة تتداخل فيها اعتبارات السياسة والتاريخ والجغرافيا والمصالح الدولية.
من هنا تبدو أهمية القراءة الواقعية التي تؤكد أن الصراع حول الصحراء المغربية لم يكن في يوم من الأيام مجرد نزاع حدودي بسيط، بل هو في جوهره تعبير عن توازنات إقليمية معقدة، تتداخل فيها حسابات الدولة الوطنية مع رهانات النفوذ الإقليمي.
لقد لعبت الجزائر منذ بداية النزاع دوراً مركزياً في هذا السياق، حيث حاولت توظيف القضية ضمن رؤيتها الجيوسياسية لدورها في المنطقة المغاربية. غير أن التحولات الدولية التي شهدها العقد الأخير، خاصة على مستوى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية، جعلت هامش المناورة السياسية يتقلص نسبياً، وهو ما يفسر جزئياً انتقال النقاش الدولي حول الملف إلى مستويات أكثر واقعية.
وفي مقابل ذلك، نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في تحقيق اختراقات دبلوماسية مهمة عززت موقعه في هذا الملف، سواء من خلال توسيع دائرة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء أو عبر ترسيخ مقترح الحكم الذاتي كخيار سياسي واقعي يحظى بدعم متزايد داخل المجتمع الدولي.
لكن قراءة مستقبل النزاع لا يمكن أن تنفصل عن استحضار عمقه التاريخي. فالصحراء لم تكن يوماً فضاءً منفصلاً عن المجال المغربي، بل شكلت عبر التاريخ امتداداً طبيعياً للدولة المغربية في مراحل مختلفة، سواء خلال عهد الدولة المرابطية التي امتد نفوذها إلى مناطق واسعة من غرب إفريقيا، أو خلال فترة الدولة السعدية التي رسخت حضور الدولة المغربية في المجال الصحراوي والإفريقي.
كما أن فهم تشكل الحدود في المنطقة يقتضي العودة إلى عدد من المحطات التاريخية التي ساهمت في إعادة رسم المجال المغاربي وفق منطق المصالح الاستعمارية، مثل معاهدة لالة مغنية 1845 أو اتفاقية فاس 1912، وهي محطات لعبت دوراً أساسياً في خلق الإشكالات الحدودية التي ما تزال آثارها قائمة إلى اليوم.
غير أن اللحظة الأكثر رمزية في مسار استرجاع الصحراء تظل بلا شك المسيرة الخضراء 1975، التي شكلت حدثاً تاريخياً فريداً جسد قدرة الدولة المغربية على تعبئة المجتمع حول قضية وطنية جامعة، ومهدت لإنهاء الوجود الاستعماري الإسباني عبر اتفاقية مدريد 1975.
إن ما يميز المرحلة الراهنة من تطور قضية الصحراء هو انتقالها تدريجياً من منطق المواجهة السياسية الحادة إلى منطق التدبير الواقعي للنزاع. وهذا التحول يعكس في العمق تغيراً في طبيعة النظام الدولي نفسه، حيث أصبحت الحلول السياسية التوافقية أكثر حضوراً في معالجة النزاعات الإقليمية.
لكن هذا المسار يطرح في المقابل مجموعة من الأسئلة الاستراتيجية التي ينبغي التفكير فيها بعمق:
هل يتجه المجتمع الدولي فعلاً نحو تسوية نهائية لهذا النزاع؟
أم أن الملف سيظل ورقة جيوسياسية قابلة لإعادة التوظيف كلما تغيرت موازين القوى الدولية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تتم فقط من خلال التحليل الدبلوماسي المباشر، بل تحتاج أيضاً إلى قراءة أوسع لطبيعة التحولات التي يعرفها النظام الدولي في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية.
وفي جميع الأحوال، يبقى الرهان الأساسي بالنسبة للمغرب هو الاستمرار في الجمع بين العمل الدبلوماسي الفعال وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية، لأن الشرعية الدولية لأي مشروع سياسي لا تُبنى فقط على الحجج القانونية والتاريخية، بل تتعزز أيضاً بقدرة الدولة على بناء نموذج تنموي ناجح يرسخ الاندماج الوطني ويعزز الاستقرار الإقليمي.
وهكذا، فإن القرار الأممي 2797 لا يمثل نهاية النزاع بقدر ما يشكل محطة جديدة في مسار طويل من التدبير السياسي والدبلوماسي لقضية تعد من أعقد القضايا في الفضاء المغاربي والإفريقي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *