الاعتراف ليس سيد الأدلة: تأصيل قانوني لسيادة اليقين على الإقرار

الاعتراف ليس سيد الأدلة: تأصيل قانوني لسيادة اليقين على الإقرار
سعيد حفيظي

لم يكن الاعتراف في تاريخ العدالة الجنائية مجرد وسيلة إثبات عادية، بل ظل لردح طويل من الزمن وثنا قانونيا تنحر على أعتابه قرينة البراءة؛ إذ إن القاعدة الكلاسيكية التي رفعت الإقرار إلى مرتبة “سيد الأدلة” كانت تعكس فلسفة قضائية تنشد الحقيقة السهلة، فهي تبحث عن اليقين الناجز ولو كان ذلك على حساب جسد المتهم. غير أن المشرع المغربي بدأ اليوم التحلل التدريجي من سطوة هذا السيد، بينما أعلنت محكمة النقض عبر اجتهاداتها عن عصر أفول اليقين الشفوي، وبذلك أصبحت سيادة الحجة المادية هي المبتدأ والخبر.
​وفي هذا السياق، فإن المتأمل في فلسفة الإثبات الجنائي يدرك حجم التحول الجوهري؛ فالإقرار المجرد لم يعد حقيقة مطلقة تنهي مهمة القاضي، وإنما صار مجرد عنصر استئناس يوضع تحت مشرحة التمحيص. ومن هذا المنطلق، أقام قانون المسطرة الجنائية المغربي قطيعة إبستمولوجية مع اليقين الجاهز، حيث كانت المادة 286 من هذا القانون واضحة في تكريس مبدأ حرية الإثبات، ليستمد القاضي اقتناعه من الأدلة المعروضة أمامه بكل تجرد؛ ونتيجة لذلك سحبت هذه المادة البساط من تحت الأسبقية القانونية للاعتراف، ليضحى الإقرار وسيلة تخضع لتقدير المحكمة الصميم.
​علاوة على ذلك، فقد فطن المشرع لكون الاعتراف “ابناً غير شرعي” للإكراه المادي، أو نتاجاً لتحطم الإرادات في غرف الاستنطاق المظلمة؛ لذا جاءت المادة 293 لتشكل جداراً واقياً ضد الاعترافات المنتزعة بالعنف، لاسيما وأن النص صريح في بطلان كل إقرار يشوبه عيب الإرادة. ومن شأن هذا المقتضى أن يرفع الحصانة عن محاضر الضابطة القضائية التي تفتقد الشرعية الأخلاقية؛ لأن العدالة التي تبنى على الألم هي عدالة عرجاء، بينما تفرض شروط المحاكمة العادلة استبعاد اليقين الزائف.
​وبناءً عليه، انتقل القاضي الجنائي المغربي من دور المتلقي السلبي إلى دور المحلل الاستراتيجي، بحيث أصبح يمارس سلطة الاستبعاد والقبول بناءً على الاقتناع الصميم. فالاعتراف في المنظومة المعاصرة لا يمكنه التغريد وحيداً خارج سرب الوقائع؛ فإذا اصطدم تصريح المتهم بصخرة الخبرة العلمية، فإن القضاء يغلب الحقيقة الواقعية، إذ لم يعد للحقيقة الشكلية التي يصنعها تطويع مسطري أي مكان. كما أن المادة 291 منحت المحاضر قوة ثبوتية نسبية في الجنح فقط، على أنها تظل قابلة لإثبات العكس بكافة الوسائل العلمية والمنطقية.
​إننا نشهد اليوم صعود “ديكتاتورية العلم الجميل” في مواجهة تقلبات النفس البشرية؛ فالبصمة الوراثية توفر يقيناً لا تملكه الحناجر الناطقة تحت وطأة الخوف، كما أن الخبرات الرقمية تكشف المستور بدقة متناهية. لأجل ذلك، بات القضاء المغربي يتشدد في قبول محاضر البحث التمهيدي ما لم تكن مسيجة بقرائن ملموسة؛ فالتراجع عن الاعتراف لم يعد مجرد مناورة، بل أصبح جرس إنذار يفرض على المحكمة واجب التعليل العميق، باعتبار أن البحث عن المنطق المفقود في رواية الاتهام صار واجباً مقدسا.
​وفي الختام، فإن إسقاط صفة “السيادة” عن الاعتراف هو انتصار لمبدأ البراءة كأصل ثابت؛ فالعدالة التي تلهث خلف السرعة تضحي بالدقة، في حين أن الأمن القضائي الحقيقي يتأسس في ثنايا الأدلة العلمية وظلال القرائن المتضافرة. وعليه، فإن تقزيم دور الاعتراف ليس إضعافاً لجهاز العدالة، بل هو ترويض لتغول الاستنطاق التقليدي، لأن دولة الحق والقانون تجعل اليقين القضائي غاية لا تدرك إلا بمشرط العقل، لينتصر المنطق أخيراً على سوط الإكراه وتجلياته النفسية المعقدة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *