الذكاء الاصطناعي وأمن البيانات: نقاش أكاديمي دولي يستشرف مستقبل حماية المعطيات الشخصية في العصر الرقمي

الذكاء الاصطناعي وأمن البيانات: نقاش أكاديمي دولي يستشرف مستقبل حماية المعطيات الشخصية في العصر الرقمي
بقلم: طلوع عبد الإله

في ظل التحولات العميقة التي يعرفها العالم بفعل الثورة الرقمية المتسارعة، أضحى موضوع حماية المعطيات الشخصية أحد أبرز القضايا القانونية والسياسية المطروحة على الساحة الدولية. فالتطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والانتشار المتزايد للمنصات الرقمية، وتنامي المخاطر السيبرانية، كلها عوامل جعلت من مسألة حماية البيانات قضية مركزية تمس جوهر الحقوق والحريات الأساسية للأفراد داخل المجتمعات المعاصرة.
في هذا السياق، نظم مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية، بشراكة مع الشبكة الدولية للباحثين، وبتعاون مع ماستر الحكامة القانونية الرقمية وحماية المعطيات، الحلقة النقاشية الدولية الثالثة حول موضوع: “حماية المعطيات الشخصية في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي وتصاعد التهديدات السيبرانية”، وذلك يوم السبت 7 مارس، بمشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين والخبراء المتخصصين في القانون الرقمي وأمن المعلومات من داخل المغرب وخارجه.
افتتاح علمي يؤكد مركزية قضية حماية البيانات
استُهلت أشغال هذه الحلقة العلمية بكلمات تأطيرية لكل من يونس مليح، أستاذ التعليم العالي بجامعة مولاي إسماعيل ومدير مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية، وبدر بوخلوف، أستاذ التعليم العالي بجامعة مولاي إسماعيل ومنسق الشبكة الدولية للباحثين، إلى جانب عادل أرجلال، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر بأكادير.
وقد أكدت هذه الكلمات الافتتاحية على الأهمية المتزايدة لقضية حماية المعطيات الشخصية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، حيث أصبح الأفراد والمؤسسات والدول أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بضمان أمن البيانات وحماية الحياة الخاصة للأفراد. كما تم التشديد على أن التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الرقمية يفرض ضرورة تطوير الأطر القانونية والمؤسساتية الكفيلة بمواكبة هذه التحولات التكنولوجية المتسارعة.
مقاربات علمية متعددة: القانون والتكنولوجيا والفلسفة
شهدت الجلسة العلمية، التي تولى إدارتها رضوان الطريق، أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، تقديم مجموعة من المداخلات العلمية التي قاربت موضوع حماية المعطيات الشخصية من زوايا متعددة، تجمع بين التحليل القانوني والتقني والفلسفي.
وفي هذا الإطار، قدم هشام عبد السيد الصافي محمد بدر الدين، أستاذ بجامعة حلوان بجمهورية مصر العربية، مداخلة علمية تناول فيها موضوع الحق في الخصوصية في ظل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، حيث أبرز التحديات الجديدة التي تطرحها الأنظمة الذكية والخوارزميات الرقمية على مستوى حماية الحياة الخاصة للأفراد. وأشار إلى أن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد والصحة والإدارة، يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية معقدة تتعلق بحدود جمع البيانات واستعمالها.
من جهته، قدم عبد المجيد كورزي، الخبير في المعطيات الشخصية والجرائم المعلوماتية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، مداخلة علمية بعنوان: “حماية المعطيات الشخصية بالمغرب وتحديات الذكاء الاصطناعي: مقاربة قانونية مقارنة”، سلط من خلالها الضوء على التطورات التشريعية التي يعرفها مجال حماية البيانات، مؤكداً على ضرورة مواكبة المنظومة القانونية الوطنية للتحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها المجال الرقمي.
كما تناول سعيد عبد الرحمن بنحضرة في مداخلته الإشكالات المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية في تطبيقات العمل بـ السجل الاجتماعي الموحد، حيث أبرز التحديات التي تطرحها رقمنة السياسات الاجتماعية، خصوصاً فيما يتعلق بضمان حماية الخصوصية وتحقيق التوازن بين متطلبات النجاعة الإدارية وصون الحقوق الأساسية للمواطنين.
الخوارزميات والسلطة في المجتمعات الرقمية
في مقاربة فكرية وفلسفية لافتة، قدم خالد حمدان مداخلة بعنوان: “سلطة الخوارزمية: رؤية فلسفية لحماية الكينونة في الفضاء السيبراني”، حيث تناول التحولات العميقة التي أحدثتها الخوارزميات والأنظمة الذكية في طبيعة السلطة والمعرفة داخل المجتمعات الرقمية المعاصرة. وأبرز أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تقنية محايدة، بل أصبحت فاعلاً مؤثراً في تشكيل القرارات والتوجهات الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يطرح تساؤلات فلسفية وقانونية عميقة حول حدود هذه السلطة الرقمية.
الجرائم السيبرانية وتحديات الأمن الرقمي
كما تطرق يونس باعدي، المسؤول عن اليقظة والجرائم المعلوماتية بالقطاع العام، إلى موضوع الجرائم السيبرانية وحماية المعطيات الشخصية، حيث استعرض أبرز التهديدات الرقمية التي تواجه المؤسسات في العصر الرقمي، مشدداً على أهمية تعزيز آليات اليقظة المعلوماتية وتطوير سياسات الحماية الرقمية لمواجهة المخاطر المتزايدة المرتبطة بالفضاء السيبراني.
وأشار في هذا السياق إلى أن الجرائم المعلوماتية أصبحت أكثر تعقيداً وتنظيماً، مما يستدعي تعزيز التعاون بين المؤسسات الوطنية والدولية، إلى جانب تطوير آليات الرصد والاستباق لمواجهة مختلف أشكال الاختراقات والهجمات الإلكترونية.
نحو مقاربة شمولية لحماية المعطيات الشخصية
وقد عرفت هذه الحلقة النقاشية تفاعلاً علمياً متميزاً من طرف الباحثين والمشاركين، حيث تم التأكيد على جملة من القضايا الأساسية المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية في العصر الرقمي. ومن أبرز هذه القضايا ضرورة تطوير الإطار التشريعي المنظم لحماية البيانات، وتعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة الجرائم السيبرانية، إضافة إلى أهمية نشر الوعي المجتمعي بثقافة الأمن الرقمي.
كما شدد المشاركون على أن حماية المعطيات الشخصية لم تعد قضية تقنية أو قانونية فقط، بل أصبحت قضية مجتمعية شاملة تتقاطع فيها أبعاد قانونية وأخلاقية وتكنولوجية، مما يفرض اعتماد مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين القانون والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية.
البحث الأكاديمي في مواجهة تحديات العصر الرقمي
وفي ختام هذه الحلقة العلمية، أكد المنظمون أن هذه المبادرة تندرج ضمن الجهود العلمية التي يبذلها مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية والشبكة الدولية للباحثين من أجل تعزيز النقاش الأكاديمي حول القضايا القانونية المعاصرة المرتبطة بالتحول الرقمي.
كما شددوا على أن البحث العلمي أصبح اليوم مطالباً بلعب دور أساسي في مواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، والمساهمة في تطوير السياسات العمومية المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية وتعزيز الأمن السيبراني، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الابتكار التكنولوجي وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد في العصر الرقمي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *