عندما يرتدي الصحفي خوذة النضال… تسقط أخلاقيات المهنة
كثيرًا ما يُطلب من الصحفي، صراحة أو ضمنًا، أن يكون مناضلًا، أن ينحاز، أن يدافع، أن يرفع الصوت باسم قضية أو فئة أو تيار. ويُنظر إلى الحياد المهني أحيانًا كبرود، أو كنوع من التخاذل، بل قد يُتهم الصحفي بالخيانة إن لم ينخرط في معركة الآخرين. غير أن هذا الفهم، مهما بدا نبيلًا في ظاهره، يضرب في العمق جوهر الصحافة وأخلاقياتها.
الصحفي ليس مناضلًا، لأن النضال فعل انحياز واعٍ ومعلن، يقوم على الدفاع عن فكرة أو موقف أو مشروع تغييري. أما الصحافة، فهي مهنة قائمة على أخلاقيات صارمة، في مقدمتها الصدق، والدقة، والتوازن، والاستقلالية. وأي خلط بين الدورين يحوّل الصحفي من ناقل للحقيقة إلى طرف فيها، ومن مراقب إلى لاعب، ومن شاهد إلى خصم أو حليف.
أخلاقيات المهنة تفرض على الصحفي مسافة ضرورية بينه وبين الحدث. هذه المسافة ليست ترفًا، ولا هروبًا من المسؤولية، بل شرط أساسي لفهم الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون. فالصحفي مطالب بالتحقق قبل النشر، وبالاستماع إلى جميع الأطراف، وبمنح حق الرد، وبالفصل الواضح بين الخبر والرأي. وهي قواعد لا يمكن احترامها إذا كان الصحفي منخرطًا في معركة نضالية تحكمها العاطفة والاصطفاف.
المناضل يختار الحقيقة التي تخدم قضيته، أما الصحفي فملزم بكشف الحقيقة كاملة، حتى وإن كانت صادمة أو غير مريحة أو مخالفة لقناعاته الشخصية. هنا يكمن البعد الأخلاقي للصحافة: أن تضع الحقيقة فوق الذات، وفوق الإيديولوجيا، وفوق المصالح. فالصحفي لا يكتب ليُرضي، بل ليُخبر، ولا ينشر ليُحرّض، بل ليُمكّن المجتمع من المعرفة واتخاذ الموقف.
هذا لا يعني أن الصحفي بلا قيم أو بلا ضمير. على العكس، فالصحافة فعل أخلاقي في جوهره، لأنها ترتبط بحق المجتمع في المعلومة، وبمحاسبة السلطة، وبفضح الفساد، وبحماية الفئات الهشة. لكن الفرق الجوهري أن الصحفي يمارس ذلك عبر الأدلة والوقائع والوثائق، لا عبر الشعارات والانفعالات. انحياز الصحفي الوحيد المشروع هو انحيازه للحقيقة ولأخلاقيات المهنة.
عندما يتحول الصحفي إلى مناضل، تُصبح المعلومة انتقائية، ويغيب التوازن، ويتحول الخبر إلى أداة تعبئة، والتحقيق إلى محاكمة مسبقة، والعنوان إلى سلاح. وهنا تفقد الصحافة ثقة الجمهور، لأن القارئ لا يبحث عن من يدافع عنه، بل عن من يخبره بما يحدث فعلاً، دون تزويق أو تضليل.
إن أخطر ما يواجه الصحافة اليوم ليس القمع فقط، بل تمييع الأخلاقيات باسم “القضية”، وتبرير الكذب بنية حسنة، أو التضليل تحت شعار “الغاية تبرر الوسيلة”. فالصحافة التي تتخلى عن أخلاقياتها تفقد مشروعيتها، مهما كانت القضايا التي ترفعها.
المناضل ضروري في أي مجتمع حي، والصحفي ضروري بالقدر نفسه، لكن لكلٍ موقعه ودوره. النضال يحتاج صوتًا منحازًا، أما الصحافة فتحتاج عقلًا ناقدًا، وقلمًا مسؤولًا، وضميرًا مهنيًا لا يساوم.
لذلك، فالصحفي ليس مناضلًا، وليس مطلوبًا منه أن يكون كذلك. المطلوب منه أن يكون صادقًا، مستقلًا، شجاعًا في قول الحقيقة، وفيًّا لأخلاقيات مهنته. لأن الصحفي حين يحافظ على أخلاقياته، يخدم المجتمع أكثر من أي شعار… ويمنح الحقيقة فرصة للبقاء

