المواطن المُعاد تشكيله: حين يتحول النضال إلى وظيفة رمزية

المواطن المُعاد تشكيله: حين يتحول النضال إلى وظيفة رمزية
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

في المجتمعات التي تُتقن إدارة توازناتها الدقيقة، لا تُفهم السياسة دائمًا من خلال ما يُقال، بل من خلال ما يُعاد إنتاجه في صمت. هناك، حيث تبدو الأدوار واضحة في ظاهرها—مناضل، مواطن، معارض، موالٍ—تشتغل بنية أعمق تعيد تشكيل هذه التصنيفات بشكل مستمر، إلى حدّ يفقدها معناها الأصلي ويحوّلها إلى وظائف رمزية داخل نسق أكبر.
هذا ما انتبه إليه مبكرًا ميشيل فوكو حين تحدث عن “الميكروفيزياء الخفية للسلطة”، حيث لا تشتغل السلطة فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل عبر شبكات دقيقة من المراقبة والتطبيع وإنتاج السلوك. فالفاعل السياسي، في هذا المنظور، لا يقف خارج السلطة، بل يتحرك داخلها، ويتشكل بها حتى وهو يعتقد أنه يقاومها. وهنا تحديدًا، يفقد النضال براءته الأولى، ليصبح في بعض الأحيان جزءًا من نفس الآلية التي يسعى إلى تفكيكها.
ولعل ما يعمّق هذا الفهم هو ما طرحه بيير بورديو من خلال مفاهيم “الحقل” و“الرأسمال الرمزي”، حيث بيّن أن الفاعلين الاجتماعيين، بما فيهم المناضلون، يتحركون داخل حقول محددة بقواعد غير مرئية، وأن صراعهم ليس دائمًا من أجل التغيير الجذري، بل أحيانًا من أجل إعادة توزيع مواقع داخل نفس الحقل. فالنضال هنا لا يخرج عن النسق، بل يعيد ترتيب توازناته.
في السياق نفسه، يمكن استحضار أطروحات أنطونيو غرامشي حول “الهيمنة الثقافية”، حيث لا تفرض السلطة نفسها بالقوة فقط، بل عبر إنتاج القبول والرضى داخل المجتمع. إن أخطر أشكال السيطرة، كما يرى غرامشي، هي تلك التي تجعل الخاضعين لها يشاركون في إعادة إنتاجها. وهنا يتحول المناضل—دون أن يدرك—إلى حاملٍ لخطاب قد يبدو معارضًا في الشكل، لكنه مندمج في العمق ضمن نفس البنية المهيمنة.
أما في الفكر المغربي، فقد اشتغل عبد الله العروي على سؤال الدولة والمجتمع، مبرزًا كيف أن الحداثة السياسية في السياقات العربية لا تُفهم إلا من خلال تداخل التقليد والحداثة، وهو ما ينعكس على طبيعة الفعل السياسي ذاته. فالمواطن، في مثل هذه السياقات، لا يتحرك داخل فضاء عقلاني خالص، بل داخل بنية مركبة تُعيد تشكيل وعيه وأدواره باستمرار.
ومن زاوية أخرى، يقدّم محمد عابد الجابري قراءة نقدية لبنية العقل السياسي العربي، حيث يرى أن هذا العقل محكوم بأنماط من التفكير تُعيد إنتاج نفس الأنساق، حتى حين يدّعي القطيعة معها. وهنا يصبح النضال، إذا لم يُراجع أدواته المعرفية، مجرد امتداد لنفس البنية التي يسعى إلى نقدها.
إن المفارقة، إذن، ليست في وجود هذه البنية، بل في قدرتها على جعل الجميع يشتغل داخلها دون وعي كامل بحدودها. فالفعل السياسي، حتى حين يتخذ شكل الرفض أو النقد، قد يُسهم—عن قصد أو دون قصد—في إعادة إنتاج نفس الشروط التي يسعى إلى تجاوزها. ليس لأن الفاعلين يفتقرون إلى النية، بل لأن المجال نفسه مضبوط بقواعد غير مرئية تُحدد سقف الممكن.
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن “الاختراق” أقل ارتباطًا بفكرة التواطؤ المباشر، وأكثر قربًا من مفهوم التداخل البنيوي. أي أن الفاعل، مهما حاول التموقع خارج النسق، يظل متأثرًا به، بل ومساهمًا في استمراره عبر آليات معقدة من التكيف والاندماج. وهنا تحديدًا تكمن قوة هذه الأنظمة: في قدرتها على استيعاب التناقضات بدل قمعها، وعلى توظيف الاختلاف بدل إلغائه.
إن الاستقرار، في مثل هذه الحالات، لا يُبنى فقط على المؤسسات أو السياسات العمومية، بل على هذه القدرة الفائقة على إعادة تشكيل الأدوار، بحيث يصبح كل موقع—مهما بدا معارضًا—جزءًا من معادلة أوسع. إنها ديناميكية تجعل الحدود بين الفعل ورد الفعل، بين النقد والتبرير، حدودًا ضبابية يصعب الإمساك بها.
غير أن هذا الوضع لا يعني حتمية الانغلاق أو استحالة التغيير، بل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يمكن للفعل السياسي أن يستعيد معناه خارج هذه الدوائر المعاد إنتاجها؟ وكيف يمكن للمواطن أن يتحول من موقع “الدور” إلى موقع “الوعي بالفعل”؟
ربما يكمن المدخل في ما يمكن أن نسميه “القطيعة النقدية الواعية”، أي القدرة على مساءلة ليس فقط السلطة، بل أيضًا أدوات المعارضة ذاتها. فكما أشار فوكو، لا يكفي أن نعارض السلطة، بل يجب أن نفهم كيف تعمل داخلنا. وكما نبّه بورديو، لا يكفي أن نغيّر المواقع، بل يجب أن نُفكك قواعد اللعبة نفسها.
بين هذا وذاك، يظل الرهان الحقيقي هو القدرة على إدراك تعقيد المشهد دون السقوط في تبسيطاته، وعلى مساءلة الأدوار دون الارتهان لها. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نكون داخل النسق، بل أن نعتقد أننا خارجه بينما نحن نعيد إنتاجه بنفس الأدوات.
في النهاية، ليست المسألة من يكون مع أو ضد، بل كيف يُفكر الجميع داخل نفس الإطار دون أن ينتبهوا إلى حدوده. وهنا، تحديدًا، تبدأ الحاجة إلى وعيٍ مختلف… وكتابةٍ لا تكتفي بوصف الواقع، بل تحاول خلخلته، وفتح أفق جديد للفعل السياسي خارج وهم الأدوار الجاهزة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *