عندما يكون القاضي إنسان و المحامي حكيم ورسول البيان

عندما يكون القاضي إنسان و المحامي حكيم ورسول البيان

مجلة 24 : متابعة مكتب تطوان 

وقف القاضي وكاتب الضبط امام المنزل المراد معاينته. فقد قاضى مالكه المكتري من أجل افراغه للهدم وإعادة البناء. ولم يكن كاذبا.فالجدران آيلة للسقوط. والدور المجاورة افرغها سكانها.ولم يبق سوى هذا المكتري.قال للقاضي مستعطفا:
-اسكن هنا منذ ثلاثين سنة.. اما زوجتة فاختبات بالمطبخ في انتظارتحديد مصير الأسرة.
جال القاضي ومحامي المكري والمالك ارجاء البيت. كانت الشقوق تؤثث كل ركن منه.وقضبان الحديد بادية. افرشة واثاث بسيط. ثم توقفوا أمام غرفة في حجم ثابوت. كانت هناك طفلة تجلس بمحاذاة دولاب من القصب تضع به ملابسها ودفاترها. ارتعدت فرائصها واحمرت وجنتاها لما التقت عيناها بعيون الواقفين. تبادل القاضي والمحامي النظرات..
لما انتهى الكاتب من تحريرمحضر المعاينة. انتحى القاضي جانبا بالمحامي وداربينهما الحوار التالي:.
.-هل يقبل موكلك صلحا ما.؟ على ما يبدو هو مقاول في البناء. لو يسكن هذه الاسرة مؤقتا في احدى شققه الجديدة.ريثما ينتهي من اصلاح هذا المنزل القديم.؟
-سافاتحه في الموضوع ان شاء الله.
بعد ثلاثة اسابيع صدر حكم قضائي :الإشهاد على الصلح بأن يسكن المكتري مؤقتا في شقة للمكري مقابل إفراغه السكن المهترئ.ويحفظ حقه في الرجوع بعد إصلاحه.وتنازل المدعي عن الدعوى.
يقول صديقي المحامي:.
-مرت سنوات على الواقعة. ذات مساء.؛ دخلت إلى مكتبي –بعد الإذن- فتاة في مقتبل العمر.. قالت وعيناها تنظران إلى الارض:.
-اربد ان اتدرب بمكتبك إلى حين اجتياز امتحان نهاية التمرين..
دون أن أرفع راسي قلت:.
–المكتب ضيق.ولي العدد الكافي من المساعدين.
-أنا اخترتك لأنك انسان!
رفعت راسي إليها متعجبا:.
-وكيف عرفت ذلك.؟.
-انا الطفلة التي شاهدتها يوم كنت مع القاضي في تلك الدار القديمة.كنت إنسانا وشهما ونجحت في اقناع مالكها بعدم طردنا. رجعنا للسكن بها. أبي مات. انا محامية متمرنة.
لم أتمالك نفسي يقول صديقي المحامي .
-أهلا بك ومرحبا. المكتب مكتبك.
الآن هي محامية رسمية منذ سنوات.ذات أخلاق فاضلة وسمعة طيبة. وانسانة بكل بمعنى الكلمة…
عندما انتهى صديقي المحامي من سرد حكايته خطر ببالي أمران.
-1-القلب الرحيم للقاضي وزميله المحامي انتصر على نصوص القانون في ما يحقق الخير. ولولا ذلك لتشردت أسرة رقيقة الحال. وكنت أقول ولا زلت: بين القاضي والمحامي ميثاق ترابط وتماسك شرعي على سبيل الدوام غايته الانصاف والعدل مبني على المودة والرحمة لحماية سواد الامة..
-وتذكرت قول الله عز وجل في سورة الكهف ..
*فوجدا عبدا من عبادنا .آتيناه رحمة من عندنا* صدق الله العظيم.
وكان هذا العبد هو صديقي المحامي.
– من كتابات ذ رشيد مشقاقة، مع التصرف في العنوان.

 عن الأستاذ زكرياء الغلبزوري

محامي بهيئة تطوان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *