أدوار الأحزاب السياسية في تنزيل مضامين النموذج التنموي الجديد
إذا امعنا النظر في طبيعة اشتغال انظمة الحكم التي تتبنى المنهجية الديمقراطية وتكرس المبادئ العامة والقيم التي تدعو الى ترسيخ الحريات والحقوق المتعلقة بالفرد داخل المجتمع يتجلى للباحث السياسي انه من بين الوسائل المركزية التي تلجأ اليها هذه الانظمة السياسية لممارسة السلطة فيها والتداول عليها بطريقة مشروعة هي الانتخابات وذلك للتثبيت احد المرتكزات والمبادئ التي تدعم المشاركة السياسية لكل الفاعلين السياسيين ، من اهم وابرز هؤلاء الفاعلين السياسيين والمحوريين في الحياة السياسية الاحزاب بحكم ضرورة حضورهم في المشهد السياسي وحتمية مشاركتهم في قواعد اللعبة السياسية لاضفاء نوع من المشروعية والشرعية لاي نظام سياسي.
بناء على هذه الأهمية البارزة في الحياة السياسية لهذا الفاعل السياسي لما يقوم به من ادوار سياسية واجتماعية واقتصادية على المستوى الوطني والجهوي والمحلي فالتساؤل المراد طرحه في هذا المقال يتعلق مضمونه وفحواه بالارتباط الوطيد بين مشاركة الأحزاب السياسية في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وتصورات وأهداف ومرتكزات النموذج التنموي الجديد .
فاذا ، إلى أي حد يمكن للأحزاب السياسية في الانتخابات المقبلة أن تساهم بأدوارها في تنزيل التوجهات الكبرى للنموذج التنموي الجديد وتترجم اهدافه الأساسية على أرض الواقع ؟
للرد على هذا التساؤل سنعمل على تقسيم المقال الى محورين في المحًر الاول ساتطرق للحديث عن أدوار الاحزاب السياسية على مستوى الجماعات الترابية ( الجهات والاقاليم والعمالات ) كما ساتناول نفس أدوارها لكن على المستوى المركزي ( مجلسي البرلمان والمؤسسة الحكومية ) وطريقة تعاملها مع الرؤية التنموية الجديدة وترجمة غايتها المنشودة
وفي الختم سأشير لبعض المقترحات والحلول لبعض القيود والاكراهات حسب قناعتنا الفكرية والموضوعية في هذا الباب .
المحور الأول : دور الاحزاب السياسية على مستوى الجماعات الترابية.
تعد الأحزاب السياسية من الاليات الاساسية في التنمية الاجتماعية على اعتبار أن تكون هذه التنمية موجهة لخدمة المجتمع والدولة بصفة عامة ، والتنمية السياسية هي أحد اهم اوجه التنمية المجتمعية تتضمن في إحدى جوانبها تنمية روح المواطنة والولاء والمشاركة السياسية هذه الأخيرة تمثل مؤشرا قوي الدلالة على مدى تطور المجتمع ونظامه السياسي ومما لا شك فيه ان التنمية السياسية في المغرب من ابرز المواضيع التي لها أثر بالغ الأهمية في إرساء البناء المؤسساتي للدولة وبالتالي تهيئة بيئة صحيحة وسليمة للممارسة الديمقراطية بالنسبة لكل الفاعلين السياسيين عن طريق المشاركة السياسية في تدبير الشأن العام للنهوض بالتنمية.
من هذا المنطلق وعلى هذا اعتبار أن تنمية الكل لا تتم إلا من خلال تنمية مختلف أجزائه مع التأكيد على ضرورة مراعاة خصائص كل منطقة من مناطق وطننا على حدة فدور الأحزاب السياسية على مستوى مجالس الجهات لا سيما وأنها تمثل العمود الفقري للحياة السياسية باعتبارها فاعلا محوريا في الاستقرار السياسي وفي استمرار الفعل العمومي يتجلى في مشاركتها المباشرة في التدبير الترابي للشأن العام الجهوي عندما تكون ممثلة ومنتخبة في هذه المجالس الجهوية وتتحمل مسؤولية تسيير شؤون الجهة ومن اهم أعمالها في نطاق تنمية مجال الجهة الترابي تناط بها داخل نفوذ مجالها الجهوي مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة وذلك بالعمل على تحسين جاذبية مجالها وتسويقه ترابيا وتقوية تنافسيته الاقتصادية والاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية وكذا تنميتها والحفاظ عليها اضافة الى اعتماد إجراءات مسطرية و إدارية وتدابير مبسطة لتشجيع المقاولة وتهيئة مناخ اعمالها والعمل على تيسير وتوطين الانشطة المنتجة للثروة والشغل لأن الجهة تعتبر أهم وحدة ترابية من بين الوحدات الترابية اللامركزية الأخرى بحكم الصدارة التي أولاها لها المشرع على المستوى الدستوري باعتبارها لها دور فعال في اعداد التراب والتعمير والتخطيط الاجتماعي وفاعل أساسي في الورش التنموي بصفة عامة.
من بين الاختصاصات الذاتية التي يمارسها مجلس الجهة بكامل حرياته في ميدان اعداد التراب هي إعداد التصميم الجهوي لتهيئة التراب لكن المثير للانتباه يظل هذا الدور مرتبطا بموافقة السلطة المركزية (اللجنة الوزارية المكلفة بالتعمير و إعداد التراب الوطني ) و مرهونا في نهاية المطاف ومقيدا بالبعد الأمني بضبطه والتحكم فيه، وبذلك يصبح البعد المجالي تحكمه الضوابط الامنية التي تستمد فلسفتها من فكر أمني تقليدي يغلب عليه الطابع التحكمي وتفصله على السياسة المجالية ذات البعد التنموي الشمولي مسافات شاسعة.
زيادة على الدور الباهث لمجلس الجهة في مجال التعمير وتهيئة التراب هناك إشكال آخر يتمثل في غياب دوره في اعداد وثائق التعمير بحيث أن هذا الاختصاص تتكلف به السلطة المركزية دون إبراز أي دور فاعل لمجلس الجهة في وضع السياسة التعميرية للجماعات التابعة لها.
أما هذا الوضع المختل في هذا الجانب وغير المشجع والمناسب لفتح المجال أمام الاحزاب السياسية لتقوم بادوارها على المستوى الجهوي وحتى يتسنى لها ان تدلو بدلوها في المساهمة في إعداد التراب الوطني و إعداد المجال تجد نفسها محاصرة بهذه الشروط والقيود ومقيدة بمجموعة من الاكراهات وغير قادرة على تخطي هذه العقبات وبالتالي القيام بادوارها السياسية ألمنوطة بها في تهيئة المجال الجهوي ، الامر الذي ينعكس سلبا على مهامها السياسية و الاقتصادية ذات البعد التنموي وتفقد مصداقيتها السياسية في المشهد السياسي المغربي وتنعدم ثقة المواطن فيها اما فيما يتعلق باختصاصات مجلس الجهة في ميدان التخطيط الاقتصادي والاجتماعي حسب منطق المادة السابعة من القانون المنظم للجهة ، نبه المشرع الدستوري الى لزوم المجلس الجهوي على تقديم اقتراحات واعداد مخطط اقتصادي واجتماعي تتبنى فيه رؤيتها التنموية واستراتيجيتها للنهوض بالجهة مجاليا بطريقة شمولية لكن وفق شروط اساسية من اهمها ان بكون هذا المخطط يتماشى والتوجهات العامة للسياسة الاقتصادية على المستوى الوطني وتتم تزكيته والموافقة عليه من طرف المجلس الاعلى للتخطيط والانعاش الوطني وتحترم فيه كذلك خصوصيات الجهة واكراهاتها المجالية.
في ظل هذه القيود الادارية التي لا تترك المجال ملائما لمجالس الجهة ان تمارس اختصاصاتها وفق فضاء سياسي تشاركي واداري مبسط لتلعب ادوارها الدستورية والحزبية في تدبير الشأن العام الجهوي والتنموي نجد الاحزاب السياسية الممثلة في هذه المحالس هي الاخرى مكتوفة الابدي وشبه عاجزة عن اداء مهامها السياسية وادوارها التنموية في تنزيل مقترحات برامجها وترجمة الاستراتيجية التنموية للجهة عدى ارض الواقع بالشكل الذي يتماشى ومرتكزات النموذج التنموي الجديد .
أما فيما يخص العمالات والاقاليم تناط بهم داخل نفوذ دوائرهم الترابية مهام النهوض بالتنمية الاجتماعية خاصة في الوسط القروي وكذا في المحالات الحضرية كما تتجلى هذه الاختصاصات في تعزيز النجاعة والتعاضد والتعاون بين الجملعات التابعة لمجالها الترابي ، ولتحقيق هذه الغاية المنشودة تعمل العمالة أو الإقليم على توفير التجهيزات والخدمات الاساسية في الوسط القروي وانجاز المشاريع او الانشطة التي تتعلق اساسا بالتنمية الاجتماعية في الوسط القروي قصد محاربة الاقصاء والهشاشة في مختلف القطاعات الاجتماعية لكن مع مراعاة الاستراتيجية العامة للدولة في هذه المجالات وفي نفس الاطار اشارت المادة ……80 من ق المنظم والمؤطر للعمالات و الأقاليم . أن مجلس العمالة أو الإقليم تحت إشراف رئيسه وخلال السنة الأولى من انتداب المجلس بإمكانه وضع برنامج التنمية للعمالة أو الإقليم لمدة ست سنوات ويعمل على تتبعه وتحيينه وتقييمه كما يجب لزوما على أن يكون هذا البرنامج التنموي فيه تشخيصا وافيا لحاجيات وامكانيات العمالة او الإقليم ومحددا لأولوياتها بناء على تقييم مواردها ونفقاتها الخاصة للسنوات الثلاتة الاولى فبالطبع تدبير الشأن الترابي بهذه المجالس تتحمل مسؤوليته الادارية الأحزاب السياسية الممثلة في هذه المجالس والمنتدبة من طرف الناخبين، لكن ضخامة اختصاصات هذه المجالس في العمل على تاهيل العالم القروي في ميادين الصحة والتكوين والبنية التحتية والتجهيزات وتنمية المناطق الجبلية والواحات والاسهام في تزويد العالم القروي بالماء الشروب والكهرباء والتاهيل الاجتماعي في الميادين التربوية والصحية والاجتماعية والرياضية.
أمام شح المواد المالية الكافية للرفع من وثيرة تهيئة مجال هذه الجماعات الترابية وانعدام وجود بعض الاحيان نخب سياسية لا تتوفر على تجربة ادارية على المستوى التدبيري ولا ترقى الى المستوى المطلوب الذي يواكب مسار الجهوية المتقدمة للبعد التنموي والمجالي فالاحزاب السياسية الممثلة في هذه المجالس تصبح شبه عاجزة وغير قادرة على القيام بادوارها على الوجه الاكمل والاصح وبذلك يتعثر مشوارها السياسي والحزبي في المساهمة بالتنزيل الواقعي لبرامج التنمية.
وفي الجانب المتعلق بالجماعات الترابية على المستوى المحلي ونظرا لاهمية دورها الترابي في التنمية لقد حمل الدستور المغربي 2011 تصورا جديدا للتنظيم الترابي ولمكانتها اذ خصها بمبادئ تدعم التدبير الحر لشؤونها ومن اهمها ضمانات تنفيذ مقررا المجالس الترابية وكذا تحديث منظومة المراقبة الإدارية من طرف ممثلي السلطة المركزية كما منحها صلاحيات تنفيذ مداولات ومقررات المجالس الترابية لرؤسائها بحيث تمثل هذه السلطة احدى اهم الركائز التي ينبني عليها مبدأ التدبير الحر و أحد أبرز خصائص اللامركزية الادارية في بعدها المتقدم.
والدستور هنا يسعى للاستجابة لمسلسل الاصلاحات التي مرت منها التجربة اللامركزية بالمغرب ولضرورة توسيع سلطة الوحدات الترابية وتمتيع رؤساء هذه الوحدات بهذه الضمانة (تنفيذ مقررات ومداولات المجالس)، وبذلك يظهر واضحا اعتراف المشرع الصريح باستقلالية المجالس المنتخبة في القيام بالوظائف والمهام المنوطة بها دون أي تدخل من قبل ممثلي السلطة المركزية في الجماعات الترابية الا في الحدود التي يسمح بها القانون وانحصار أدوارهم في علاقاتهم بالجماعات الترابية وعلى رأسها المجالس الجهوية في مساعدة رؤساء هذه الأخيرة عى ممارسة صلاحياتهم وتشمل المساعدة في تنفيذ المخططات والبرامج التنموية وبفضل مبدأ التدبير الحر المنصوص عليه في الفصل 136 من الدستور يصبح المنتخب المحلي الذي يمثل بطبيعة الحال الانتماء لحزب سياسي معين مصدرا للسلطة وصاحب قرار وبذلك يكون في امكانية الاستجابة لمطالب السكان كأداة سياسية يفتح المجال لمشاركة المواطن في تدبير شؤونه والرفع من مساهمته في النهوض بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
وتماشيا مع صلاحيات مجلس الجماعة المشكل من عدة فاعلين حزبيين في من بين الادوار التي يقوم بها هو الفصل بمداولاته في القضايا التي تدخل في اختصاصات الجماعة ويمارس الصلاحيات الموكولة اليه بموجب أحكام القانون التنظيمي كما يتداول في القضايا المتعلقة بالادارة والتنظيم والتدبير التنموي للجماعة كل هذه المهام السياسية والإدارية والادوار الاستراتيجية التي يتوجب على الفاعل الحزبي و السياسي المتحمل لمسؤولية تدبير الشأن الترابي تجعل منه مرتكزا محوريا في الورش التنموي وعاملا أساسيا في الرفع من وثيرة التنمية الترابية لجماعته والارتقاء بمجالها.
وفي خضم هذا السياق تطرح وتتناسل العديد من الاسئلة الجوهرية العميقة حول افاق التنمية الترابية المنشودة ونظرا لكثرتها وتنوع مجالاتها فانه يجب حصرها وتجميعها في بعض الافكار الاساسية :
-إذا أردنا ان تقوم الأحزاب السياسية بادوارها السياسية وتشارك في تدبير الشأن العام الترابي بسكل معقلن واكثر جودة وحكامة فانه يجب تكريس مبدأ التدبير الحر على المستوى الواقعي والممارساتي وذلك بتجاوز مجموعة من الاكراهات والصعوبات البنيوية العميقة التي ظلت تحول دون نجاح عملية التنمية الترابية ، بعبارة اخرى فان الأمر يتطلب توفير ظروف وشروط العمل المناسبة للجماعات وتعبئة تعبئة مكثفة لكافة الموارد والوسائل الضرورية واعتماد التدبير المقاولاتي وقواعده من اجل النهوض بها كما يتطلب ضرورة توفرها على ادارة عصرية حديثة وحكامة ادارية محلية جيدة.
ولعل من أولى الشروط والمقومات الاساسية التي ينبغي توفيرها هي تمكين الجماعات من موارد بشرية كفء ومؤهلة ان على مستوى المنتخبين اي الفاعلين الحزبيين او على مستوى الموظفين بالجماعات الترابية فتوفر الجماعات على إطار قانوني يسمح بالتدبير الحر سيبقى غير كافي في غياب عنصر بشري كفء يبلور هذا المبدأ على أرض الواقع ويخرجه الى أرض الوجود لأن العنصر البشري الذي هو المنتخب المحلي مصدر سلطة وصاحب قرار وحامل اختصاص حقيقي يمكنه من الاستجابة لرغبات وطموحات وتطلعات السكان الذين قلدوه الأمانة وحملوه مسؤولية تمثيلهم وبالوصول الى تطبيق مفاهيم التدبير الحر للجماعات الترابية كالمبادرة والتنافسية والتسويق الترابي والتدبير المرتكز على النتائج يجب على الاحزاب السياسية أن تعمل على تزكية المرشحين ذوي الكفاءات الجيدة والاخلاق الحميدة والسلوك القويم بعيدا عن سماسرة الأصوات وتجار الانتخابات الذين سئم منهم المواطن .
إضافة لكفاءة العنصر البشري واهميته البالغة فان الجانب المادي يعتبر المنطلق والمرتكز ، اذ كيف يعقل ان يسود التدبير الحر في الجماعات اذا كانت لا تتوفر على الموارد المالية اللازمة والكافية وبعبارة اوضح تعتبر الوسائل المالية حجر الزاوية لتكريس مبدأ التدبير الحر ، فمهما تعددت الاختصاصات التي تعطى لجماعة ترابية معينة ومهما كانت صلاحياتها التقريرية على مجالات اختصاصاتها فان عدم توفرها على الوسائل المالية اللازمة للنهوض بهذه الاختصاصات يفرغ الاستقلال المالي المعترف به لها من كل محتوى ويجردها من اي دور مستقل في مجال التنمية ، لذا فان مسألة التدبير الحر للجماعات الترابية مرهونة بمدى توفرها على الوسائل المادية من أجل ترجمة تلك الاختصاصات و الأدوار على ارض الواقع لكن مقابل ذلك فان الجماعات الترابية مطالبة بعقلنة وترشيد الموارد المتوفرة والمتاحة لها وتحديد اولوياتها وفق برنامج تنموي هادف يفعل مسار التنمية الاقتصادية المنشودة .
زيادة على ما سبق فالنظام الرقابي بل والوصائي الممارس والمعتمد او بالأحرى المسلط على الجماعات لا بد من تخفيف تدخلاته الرقابية ذات الصبغة الادارية في شؤون تلك الجماعات بالإضافة إلى الرقابة المالية التي تمارسها الوزارة المكلفة بالمالية على الميزانية والشؤون المالية الترابية صارمة وشديدة ومبالغ فيها تعرقل وتعيق اختصاصات وانشطة الجماعات اما الوصاية الادارية التي تمارسها وزا ة الداخلية هي اشد وطأة في هذا الصدد.
واذا أردنا أن تلعب الأحزاب السياسية أدوارها بالشكل المطلوب والمقنع في مجال التنمية الترابية فمن بين مستلزمات هذه التنمية هي ان نتجاوز ونتخطى مرحلة الوصاية الادارية بمفهومها الضيق والتقليدي والمتجلي في الرقابة الوصائية من أجل الرقابة ولتكريس المقاربة الضبطية وتحكم الدولة في تلابيب الديمقراطية الترابية حيث كانت وما تزال حجرة عثرة تقف في طريق التنمية الترابية وتتم ممارستها وفق منظور امني احترازي ضيق وكان الغرض منها هو عرقلة وتعطيل اعمال الهيئات المنتخبة ( مجالس الجماعات الترابية) وبطبيعة الحال توجهات وبرامج الاحزاب السياسية مستغلة نقص تأطير المستشارين وضعف مستواهم التعليمي.
– أما ظاهرة الصراع أو التنافس بين الاحزاب السياسية داخل المجالس الجماعية نتيجة الحساسية السياسية والانتماء الحزبي يشكل في الحقيقة عائقا لتيسير اعمال واختصاصات الجماعات الترابية ومعرقلا لتدبير الشان الترابي بالشكل الجيد للنهوض بالتنمية بحيث على الاحزاب السياسية هنا ان تتحلى بروح المواطنة وتتنحى عن المصالح الحزبية الضيقة وتعمل على تحقيق المصلحة العامة وتتصف فيما بينها بالاعتدال والتجاوب والتفاهم والتنسيق لما تكون مصلحة الوطن حاضرة.
المحور الثاني : دور الأحزاب السياسية على المستوى المركزي.
عمد المشرع الدستوري المغربي استنادا على اختيار المغرب التعددية الحزبية والنظام البرلماني في مختلفة المحطات التي مرت منها التجربة الدستورية المغربية على منح البرلمان المكون من مجلسي النواب والمستشارين كاعلى سلطة تشريعية في البلاد الذي يستمد شخصيته القانونية من الوثيقة الدستورية، كما يستمد اعضاؤه نيابة من الامة وحقهم في التصويت حق شخصي لا يمكن تعويضه بناء على الفصل 80 من الدستور.
استنادا على هذا النص الدستوري وعملا في إطار القانون التنظيمي لمجلسي النواب والمستشارين توجد لجان مصغرة تقتضيها الحاجة إلى تقسيم العمل البرلماني بمختلف تخصصاته لان كثرة عدد نواب الأمة في الجلسات العمومية في البرلمان يحول دون القيام بمهامهم على الوجه المطلوب ، هذه اللجان البرلمانية ذات الانتماء السياسي تمثل موقع احزابها السياسية في المشهد البرلماني وتساهم بأدوارها السياسية في مناقشة مشاريع ومقترحات القوانين المعروضة عليها ، والتصويت على مراسيم قوانين خلال الفثرة الفاصلة بين الدورات العادية لمجلسي النواب والمستشارين ولها الحق في مراقبة اعمال الحكومة بطريقة غير مباشرة وتصل هذه المراقبة دروتها أثناء مراقبتها لمشروع القانون المالي فتكون مناسبة سنوية لمراقبة السياسة الحكومية بمعنى أوضح ان الأحزاب السياسية الممثلة في مجلسي البرلمان تمارس السلطة التشريعية بناء على الفصل 70 بالتصويت على القوانين وتراقب عمل الحكومة عن طريق السؤال والاستجواب وتشكيل لجان تقصي الحقائق وتغيير هذه المراقبة بالخفيفة أما المراقبة الجسيمة لها مظهرا اخر يتجلى في طريقة سحب الثقة وطرح ملتمس الرقابة بناء على الفصل 70 من الدستور ، وفيما يتعلق بتقييم السياسات العمومية ، ومما لاشك فيه فالمشرع الدستوري المغربي يوضح بشكل جلي رغبته في تقوية سلطات البرلمان والانتقال من منظومة برلمانية رقابية تقليدية الى منظومة برلمانية تقييمية وحديثة .
اذا بهذه الادوار التي تقوم بها الاحزاب السياسية عن طريق تمثيليتها في مجلسي البرلمان تكون هذه الاخيرة قد ساهمت بشكل مباشر او غير مباشر في ترجمة برامجها الحزبية وتوجهاتها وتنزيل اهداف واستراتيجيات السياسات العمومية لخدمة التنمية الشمولية في نهاية المطاف عن طريق الادلاء بافكارها ووضع واعداد مقترحاتها .
باعتبار أن الحكومة هو ذلك الفرع من السلطة التنفيذية المسؤول عن تنفيذ السياسات العمومية والقواعد التي تسنها السلطة التشريعية بمقتضى الفصل 89 تمارس عملها تحت سلطة رئيسها وتعمل على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين ، بحكم أن الادارة موضوع تحت تصرفها كما انها تمارس الاشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية ، فقبل الشروع في تنفيذ هذا البرنامج الحكومي من طرف المؤسسة الحكومية يكون البرلمان مسبقا قد ساهم بتعدد اطيافه السياسية في منح الحكومة الثقة و زكاها بالتنصيب البرلماني استنادا على الفصل 88 من الدستور ، من هذا المنطلق تتضح مساهمة دور الفاعل الحزبي المنتمي للاغلبية البرلمانية في تفعيل وتنزيل الاستراتيجية الوطنية العامة ذات البعد التنموي التي تتوخى تنفيذها السياسة الحكومية.
أما إذا كان الفاعل السياسي الحزبي يصطف داخل تيار المعارضة فدوره هنا يقتصر ويتمثل في معارضة الحكومة في نهج سياستها العامة ، وبالتالي يعمل على تكريس نوع من التقويم في العمل الحكومي ونجاعته وتجويده هذا الدور بل والاختصاص الحزبي الذي يعد ترجمة لبرامج الأحزاب المكونة للائتلاف الحكومي ويزيد من ترسيخ المراقبة عليه.وبهذا العمل السياسي والدور الدستوري تقدم الاحزاب المعارضة قيمة سياسية مضافة تسهم في حوكمة التدبير الحكومي وترفع من نجاعته وفعاليته خدمة للورش التنموي الكبير الذي تهدف الى تحقيقه بلادنا في المستقبل.
بعد الاشارة ولو بشكل مختصر لأدوار الاحزاب السياسية في مجلسي البرلمان وخصوصا في الشق التشريعي يلاحظ ان هذا الاختصاص الذي منحه الدستور بمقتضى الفصل 70 تدخلت فيه الحكومة واكتسحت مجاله بواسطة التشريع بالاذن او بالتفويض واصبحت متغولة في ميدان التشريع .
وبذلك ضيقت الخناق على الاحزاب السياسية الممثلة في البرلمان من القيام بدورها الاصلي الذي هو التشريع على الوجه المطلوب حتى تساهم في خلق مناخ للاعمال وبيئة سليمة ترقى بالمجهود التنموي المتوخى .
اما فيما يخص الشق المتعلق بالرقابة البرلمانية ودور الفاعل الحزبي فيها تعيقها مجموعة من الاكراهات تتمثل في الاسئلة والاستجوابات التي تطرحها التمثيليات البرلمانية حول تدبير العمل الحكومي في قطاع ما ، وأعدادها والمدد الزمنية التي خولها لها المشرع الدستوري غير كافية لاستجلاء ومعرفة حقيقة الامور ، ليتمكن ممثل الاحزاب السياسية في البرلمان من اداء دورهم الرقابي الفعال للعمل الحكومي ، ونفس الشيء يتجلى في اعمال لجان تقصي الحقائق التي رغم المجهودات التي تقوم بها بعض الكثل البرلمانية في احدى القطاعات التي تعاني من اختلالات ، فنهاية مثل هذه الملفات غالبا لا تسير وفق المسطرة القانونية التي أراد لها المشرع بمعنى أنها تبقى غير مفعلة جامدة في رفوف ارشيف البرلمان دون أية متابعة أو جزاء.
مثل هذه المعيقات بالطبع تشكل حاجزا أمام اشتغال الفاعل الحزبي في المشهد السياسي خصوصا لما يقوم بادواره التشريعية والرقابية والتقييمية لتحقيق الغاية التنموية المنشودة لذا يجوز القول أن كل هذه الإكراهات هي فعلا من صلب تجليات الأزمة الشاملة التي يعرفها الواقع السياسي المغربي بكافة عناصره الفاعلة فيه ، أحزاب سياسية نخب سياسية ونظام سياسي … الخ. لأن البرلمان ليس نسقا مستقلا بذاته بل هو نتيجة لمجموعة من الروافد المغذية له لأن النهوض به أو تطويره أو اصلاحه لا يجب أن يكون بمعزل عن هذه العوامل والعوامل المؤثرة فيه التي يجب كان يشملها هي أساسا الإصلاح والتغيير والتي ترتبط بقيود حزبية وسياسية وقانونية.
1_ بالنسبة للقيود الحزبية تتجلى في هشاشة وضعف الديمقراطية الداخلية على مستوى بنياتها التنظيمية وهيآتها في الوقت الذي تطالب فيه الاحزاب السياسية بدمقرطة الدولة والمجتمع كنلاحظها انها لا تتحلى بالقيم الديمقراطية سواء على مستوى اختيار زعمائها او في منح التزكيات للانتخابات او المسؤوليات.
2_ فيمكن اختصارها في مجموعة من الاليات الدستورية التي سبق وان أشرنا اليها طبعا هذه القيود تهدف الى التقليص من مجال القانون والحد من سيادة البرلمان في ممارسة التشريع والرقابة واخضاع اعماله للرقابة الدستورية لمنع هيمنته على السلطة التنفيذية وضمان استقرارها .
3_ غير ان القيود السياسية نقصد بها مجموعة من الاليات غير المنصوص عليها بشكل صريح دستوريا وانما هي وليدة تأويلات في محطات تاريخية وسياقات سياسية معينة نتيجة لممارسات في المسار السياسي المغربي.
ولكي نعمل على تشجيع الفاعل الحزبي في القيام بدوره السياسي في العمل البرلماني والنهوض به فمن الأجذر ان لا يقتصر اجتهاد الدولة او النظام السياسي على التطوير المؤسسي والبشري وإنما يجب أن يأخد بعين الاعتبار خصوصية النسق والمحيط السياسي الذي تعيش في كنفه المؤسسة البرلمانية المغربية وبهذا الاسلوب ربما تكون مشاركة الاحزاب السياسية فاعلة و ذات مغزى للنهوض بالنموذج التنموي الجديد الذي دعا اليه صاحب الجلالة.
على ضوء ما جاء في السابق ذكره من معطيات تبرز الادوار السياسية للاحزاب في ترجمة وتنزيل السياسات العمومية على ارض الواقع ، ان على مستوى مجالس الجماعات الترابية وعلى مستوى مجلسي البرلمان والحكومة.
وما واكبتها من معيقات وقيود فحسب رأينا المتواضع ولتخطي هذه الصعوبات وتجاوزها يتضح لنا أنه من الواجب في البداية ان تقوم الأحزاب السياسية باصلاح سياسي جذري على مستوى بنيتها التنظيمية الداخلية وان تعمل على ترسيخ القيم الديمقراطية وتكريسها في سلوكياتها السياسية وان تكون صادقة ومواطنة مع دواتها قمة وقاعدة في الاشتغال الحزبي والسياسي.
أما من الوجهة الخارجية وبالضبط في علاقة هذه الاحزاب بالمواطن في الاستحقاقات الانتخابية ان تقدم برامج سياسية ليست عامة وغير قابلة للتحقيق ، بل برامج مقبولة ومنطقية تراعى فيها حاجيات الساكنة ومتطلباتها ، وأن يدوم النشاط الحزبي طيلة المحطات السياسية دون اتصافه بالعمل الحزبي أوالسياسي الموسمي لكي تحافظ على مصداقيتها السياسية وتضمن ثقة المواطن فيها واستمراريتها.
وللإشارة فللأسف الشديد أن الأحزاب السياسية بالمغرب لا زالت تخلط بين الهوية الإيديولوجية للحزب وبين الدور السياسي فالهوية الإديولوجية تبقى دائما أمرا تابتا فمنها يستمد الحزب السياسي مبادءه وافكاره في حين أن الدور السياسي يتغير بوجود الحزب في الحكومة حينما يدبر الشأن العام أو في المعارضة في قبة البرلمان لما ينتقد توجهات العمل الحكومي ويراقب تدبيره العمومي.
ما دام التمر كذلك فلا يمكن أن نلمس التغيير السياسي المنشود الذي ينعكس على برامج وتوجهات الأحزاب السياسية وبالتالي على ادوارها في العمل على تفعيل وترجمة السياسات العامة للدولة الهادفة إلى تحقيق نقلة نوعية على المستوى التنموي ولهذا نلاحظ ان القاعدة العامة التي تحكم برامج الأحزاب السياسية هي تشابهها وأنها عامة ومضخمة.
والخلاصة الحقيقية الواجب الارتكاز عليها هو أن النجاح الحقيقي لاي حزب سياسي لا يتحقق بتحصيل أكبر عدد من المقاعد وإنما يتحقق بخدمة الناس وتحقيق مصالحهم في هذه المجالس ، غير ان هذا الامر يتطلب توفر شرطين اساسيين في الفائزين بعضويتها :
الاول يتمثل في الكفاءة والقدرة على الإدارة.
والثاني يتجلى في نظافة اليد كما ان الضعيف الامين سيفشل بسبب ضعفه والاداري الفاسد سيعمل لمصلحته لا لمصلحة المجتمع وخدمة المواطن بالخصوص.
ولهذا فالواقع الحزبي المتأزم الذي تعيشه البلاد هو الذي يهدد مسارها الديمقراطي، ففي غياب تعددية سياسية حقيقية تمثل تيارات المجتمع وتحمل مشاريع سياسية واجتماعية واضحة يبقى من الوارد منطقيا أن لا تنجح هذه الأطياف السياسية المختلفة في مهامها السياسية وادوارها التنموية ، ولعل الفرصة مواتية اليوم وأكثر من أي وقت مضى للجميع لاعادة ترتيب أوراق الشأن الحزبي وإعادة النظر في صياغة منهجية جديدة وعصرية لتدبير المسألة الحزبية التي تعد الوجه الحقيقي لممارسة اللعبة السياسية على اسس ديمقراطية عن طريق الإشراك الفعلي في صناعة القرار السياسي باعتبارها الوظيفة الحقيقية للحزب ، إضافة إلى لزوم وجود بيئة منفتحة ومناخ ديمقراطي سليم يسمحان بالحرية أكثر ويكون البناء السياسي مرتكزا على الاستقلالية وقدرات المبادرة للفاعل السياسي الحزبي في التدبير الترابي والتنموي.
جراء هذا الوضع المعتل صحيا الذي تعاني وتإن من آلامه واختلالته الأحزاب السياسية في المغرب فيبقى لها حسب وجهة نظرنا للخروج من صعوبة نفق هذه الوضعية المتردية اضافة للاقتراحات السالفة مخرجا آخرا هو ان تتسلح بالمبادرة الإصلاحية الجذرية وتتمسك بالإرادة السياسية الحقة النابعة من عمق إرادة صاحب الجلالة وتطلعات رعاياه.
وبهذه الجرأة السياسية البناءة للفاعل الحزبي يستطيع هذا الأخير أن يساهم بمشاركته الفعالة ضمن باقي الفاعلين الآخرين في مد يد العون والدعم لمسار توجهات ومضامين النموذج التنموي الجديد ويتفاعل في الاخير ايجابيا داخل المشهد السياسي المغربي خدمة لمصلحة الوطن والمجتمع .

