عبد السلام شداق.. شاعر ينسج بالكلمة خيوط الوجدان والذاكرة

عبد السلام شداق.. شاعر ينسج بالكلمة خيوط الوجدان والذاكرة
جبير مجاهد

ليس الشعر مجرد كلمات تتعانق فيها القوافي، بل هو نبض الإنسان ومرآة وجدانه، وذاكرة تختزن ملامح المكان وروح الزمان. ومن هذا المنطلق، يبرز اسم الشاعر المغربي عبد السلام شداق ضمن الأسماء المرتبطة بالمشهد الثقافي والشعري بمدينة آزرو وإقليم إفران، حاملاً تجربة تجمع بين المسار التربوي والشغف بالإبداع، وبين الوفاء للكلمة والإيمان بدورها في الارتقاء بالذوق الفني وإغناء الحياة الثقافية.

وُلد عبد السلام شداق سنة 1944 بقرية تفجيجت بإقليم صفرو، حيث كانت البدايات الأولى لمساره، قبل أن يشق طريقه في طلب العلم، مبتدئاً بحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم منتقلاً إلى مدينة فاس لمتابعة دراسته، التي توجها بالتخرج من جامعة القرويين، هذه المؤسسة العلمية العريقة التي أسهمت عبر تاريخها في تكوين أجيال من العلماء والمثقفين. وبعد ذلك، اختار مهنة التعليم، فاشتغل أستاذاً بالتعليم الإعدادي، ثم بالتعليم الثانوي بمدينة آزرو، جامعاً بين رسالة التربية وشغف الكتابة، ومؤمناً بأن المعرفة والإبداع رافعتان أساسيتان لبناء الإنسان وتنمية الوعي.

غير أن تجربة شداق لم تقف عند حدود الممارسة التربوية، بل امتدت إلى رحاب الشعر الغنائي، حيث تتخذ الكلمة أبعاداً جمالية وإنسانية تتجاوز التعبير المباشر، لتلامس الوجدان وتستحضر المشاعر والذكريات. فالشعر الغنائي، بما يحمله من إيقاع موسيقي وانسياب في العبارة، يشكل فضاءً رحباً للتعبير عن التجربة الإنسانية، ويمنح النص قدرة على التواصل مع المتلقي، سواء عبر القراءة أو الإنشاد والتلحين. ومن هنا تبرز أهمية الاهتمام بهذا اللون الإبداعي الذي يشكل أحد روافد الثقافة الفنية المغربية، بما تختزنه من تنوع لغوي وإيقاعي وثراء وجداني.

ويرتبط اسم عبد السلام شداق كذلك بالحياة الثقافية المحلية، إذ يشغل منصب مندوب رابطة الشعر الغنائي بإقليم إفران، وهو موقع يعكس حضوره في هذا المجال واهتمامه بالشأن الشعري. كما شارك في فعاليات الدورة الرابعة من مهرجان «الصخرة» للشعر بمدينة آزرو، المنظم تحت شعار «أول الغيث قصيدة»، في إطار تظاهرة احتفت بالكلمة الشعرية وجمعت أصواتاً إبداعية من المنطقة ومدن مغربية أخرى. وتكتسي مثل هذه المشاركات أهمية خاصة، لما تتيحه من فرص للتواصل بين الشعراء والجمهور، ولما تسهم به في إبقاء الشعر حاضراً في الفضاء الثقافي، بعيداً عن الانكفاء داخل حدود الكتابة الفردية.

إن مسار عبد السلام شداق يقدم صورة للمثقف الذي جمع بين مسؤولية التعليم ومتعة الإبداع، وجعل من الشعر مجالاً لمواصلة علاقته بالكلمة والجمال. كما أن الإشارة إلى وجود دواوين أخرى له قيد الطبع تفتح آفاقاً للتعريف بتجربته على نطاق أوسع، وتدعو إلى الاهتمام بتوثيق أعماله وقراءتها نقدياً، بما يكشف عن موضوعاتها وخصائصها الفنية ومكانتها ضمن تجربة الشعر الغنائي المغربي. فالنصوص الشعرية لا تكتمل حياتها بمجرد كتابتها، وإنما تتجدد قيمتها كلما وجدت من يقرؤها ويحللها ويعيد اكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ وصور وإيقاعات.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه أشكال التعبير، تظل الحاجة قائمة إلى الالتفات إلى الشعراء الذين أسهموا في تنشيط الحياة الثقافية، وإلى التجارب التي تستحق مزيداً من التعريف والتوثيق. ومن هذا المنظور، يستحق عبد السلام شداق أن تحظى تجربته بمواكبة إعلامية ونقدية تليق بمساره، وأن تجد أعماله طريقها إلى القراء والباحثين والمهتمين بالشعر الغنائي، وفاءً للكلمة وتقديراً للإبداع المحلي.

إن الاحتفاء بالشاعر عبد السلام شداق هو، في جوهره، احتفاء بقيمة المثقف الذي يواصل الارتباط بالشعر، وبالدور الذي يؤديه المبدعون في صون الذاكرة الثقافية وإغناء الوجدان الجماعي. فالشعراء لا يتركون أثرهم في الكتب وحدها، بل يتركونه أيضاً في النفوس التي تلامسها كلماتهم، وفي المجالس التي تحتفي بإبداعهم، وفي الأجيال التي تتعلم منهم أن للكلمة قدرة على مقاومة النسيان وصناعة الجمال. ومن هنا، يظل اسم عبد السلام شداق جديراً بمزيد من التعريف والإنصاف، باعتباره أحد الأسماء المرتبطة بالمشهد الشعري والثقافي في آزرو وإقليم إفران، وأحد المهتمين بالشعر الغنائي الذي يمنح الكلمة أجنحة للتحليق في فضاءات الوجدان والذاكرة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *