الحقيقة والإنصاف»: العدالة الناقصة وإحياء الجراح الغائرة
لم تكن التحركات والتصريحات الأخيرة المرتبطة برجل الأمن السابق والمستشار البرلماني محمود عرشان مجرد شائبة عابرة في المشهد السياسي، بل كانت بمثابة حجر أُلقي في مياه ركود ملف “سنوات الرصاص”.
لقد أعادت هذه الواقعة طرح أسئلة حارقة ومصيرية ظل الكثيرون يفضلون القفز عليها: هل أغلقت تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب جراح الماضي بحق؟ أم أننا بحاجة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى التفكير جديّاً في إطلاق هيئة جديدة يجدر أن تُسمّى بوضوح وجرأة «هيئة الحقيقة والإنصاف»؟
عندما انطلقت أشغال “هيئة الإنصاف والمصالحة” عام 2004، استبشر الشارع الحقوقي والسياسي خيراً باعتبارها خطوة تاريخية وفريدة في المنطقة العربية للانتقال نحو دولة الحق والقانون. ورغم اعترافنا بالمرامي السامية للعديد من أعضائها الشرفاء وبما تحقق من اعتراف رسمي بحدوث انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، إلا أن الحصيلة النهائية كشفت عن ثقوب واسعة في ثوب تلك التجربة.
لقد أنصفت الهيئة الفئات المباشرة التي امتلكت الشجاعة أو القدرة الإدارية على توثيق مظلوميتها، ووضعت مبالغ مالية كجبر للضرر لبعض الضحايا وعائلاتهم. لكن العدالة لا تُقاس بالترقيع المالي وحده؛ فقد تُركت شرائح واسعة من الضحايا والمناطق والمهمشين طعمة للنسيان والإقصاء. لم يُنصف الجميع، وظلت طعنات الحيف غائرة في قلوب من لم تجد صيحاتهم أذناً صاغية، أو من عُدّت ملفاتهم خارج “المعايير الزمانية والمكانية” المقيدة التي فرضها منطق التسوية آنذاك.
غير أن الخلل الأعمق والشرخ الأكبر في تجربة الماضي يتجلى في غياب شرطين أساسيين لأي عدالة انتقالية حقيقية: الحقيقة الكاملة ومحاسبة الجلادين.
لقد اختارت الهيئة السابقة معادلة مقلوبة ركّزت على “الإنصاف والمصالحة”، وسقط منها عمداً أو اضطراراً مفهوم “الحقيقة” و”عدم الإفلات من العقاب”. كيف نطلب من شعب أو من ضحية أن يتصالح مع ماضيه، بينما كبار المسؤولين عن التعذيب والاختفاء القسري والإعدامات خارج نطاق القانون قد حُصِّنوا من المساءلة؟ إن غياب مبدأ المحاسبة وإفلات منتهكي الحقوق والجلادين من العقاب صبّغ التجربة برمتها بصبغة “العفو المجاني” والصفقة السياسية، مما كرّس الانطباع بأن فوق القانون أحكاماً لا تُطال، وأن بعض الفاعلين فوق أي طائلة حقوقية.
إن ظهور أسماء مثل محمود عرشان، والحديث عن الأدوار التي لعبتها شخصيات أمنية وسياسية في تلك العقود السوداء دون تقديم كشف حساب أخلاقي وقانوني للمجتمع، هو تذكير صارخ بأن المصالحة الحقيقية لا تُفرض بقرارات فوقية ولا تُطوى ببند في تقرير ختامي. إن عدم تسمية الأشياء بأسمائها وعدم الكشف عن كل التفاصيل جعل العدالة الانتقالية تقف في منتصف الطريق.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة اليوم إلى إعادة فتح ملف العدالة الانتقالية بالمغرب من خلال هيئة جديدة للحقيقة والإنصاف؛ هيئة لا تخشى إعلان الحقائق كما هي، ولا تساوم على كرامة الضحايا، وتملك الصلاحيات والشجاعة الكافية لإعادة ترتيب أوراق هذا الملف الشائك.
إن المطالبة بـ “هيئة الحقيقة والإنصاف” ليست رغبة في الانتقام أو نبشاً في الماضي لمجرد إثارة الضغائن، بل هي التزام وطني بدولة المؤسسات الحقيقية. فالعدالة الناقصة تظل شكلاً من أشكال الظلم المؤجل، والعدالة التي لا تُحاسب الجلاد تُغري بظهور جلادين آخرين في المستقبل. لقد حان الوقت لتصحيح التسمية والتطبيق معاً: الحقيقة أولاً، ليكون الإنصاف كاملاً، وتصبح المصالحة واقعاً لا مجرد شعار.

