حكومة لم تجف حبر تعيينها.. وأسئلة النزاهة تلاحق اختياراتها
هناك حكومات تحتاج إلى مائة يوم كي تبدأ في إقناع الناس بأنها تستحق ثقتهم، وهناك حكومات لا تحتاج إلى مائة ساعة كي تضع نفسها في قفص الاتهام السياسي. وبين هذا وذاك، يبدو أن الحكومة الجديدة وجدت نفسها أمام امتحان مبكر، عنوانه ليس فقط تدبير القطاعات الوزارية، بل تدبير كلفة الاختيارات التي أوصلت بعض الأسماء إلى كراسي المسؤولية.
لم يكد الوزراء يستقرون في مكاتبهم، ويتعرفوا على مفاتيح الإدارة ودهاليزها، حتى بدأت أخبار ومعطيات متداولة تضع ملف الاستوزار تحت مجهر الرأي العام. وهنا لا يعود السؤال مجرد فضول حول سيرة وزيرة أو ماضي مسؤول، بل يصبح سؤالا سياسيا من العيار الثقيل: من يختار من يحكموننا؟ وبأي معايير؟ ومن يحاسب الأحزاب عندما تتحول التزكيات إلى عبء على المؤسسات؟
خرجت الحكومة من الخيمة مايلة، لكن السؤال هو: هل ستصحح ميلانها، أم ستطلب من المغاربة أن يعتادوا العرج؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب السياسة ليس أن تظهر فضيحة، بل أن تصبح الفضيحة أمرا عاديا، وأن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يجد المواطن نفسه أمام مشهد عبثي تتحدث فيه الأحزاب عن النزاهة في المنابر، بينما تثار حول بعض اختياراتها أسئلة محرجة خارجها.
لسنا هنا بصدد محاكمة الأشخاص على حياتهم الخاصة، ولا بصدد توزيع صكوك الإدانة قبل أن يقول القضاء كلمته. فدولة القانون لا تُبنى بالتشهير، كما لا تُبنى بالصمت. وبين هذين الحدين توجد مسؤولية سياسية وأخلاقية لا يجوز أن تختبئ خلف قرينة البراءة، ولا أن تتجاوزها إلى إدانة مسبقة.
إذا صحت المعطيات المتداولة بشأن اتهامات تتعلق بالتزوير والنصب واستعمال وثائق طبية مشكوك في سلامتها، فإن الأمر يستوجب توضيحا مسؤولا وتحقيقا نزيها، بعيدا عن منطق التهويل ومنطق التستر. أما إذا كانت بعض الأخبار مبالغا فيها أو غير صحيحة، فمن حق المعنيين توضيح الحقيقة، ومن واجب الإعلام والرأي العام التمييز بين الوقائع والشائعات.
لكن ما لا يمكن تجاوزه هو السؤال السياسي الذي تفرضه القضية: كيف تستطيع الأحزاب أن تطلب من المواطنين الثقة في مرشحيها، ثم تعجز عن إقناعهم بسلامة معايير الاختيار والتزكية؟
المشكلة ليست فقط فيمن جلس على الكرسي، بل في العقل السياسي الذي قرر أن هذا الشخص بالذات يستحق الجلوس عليه.
فالوزارة ليست جائزة ترضية، ولا تعويضا عن خدمات حزبية، ولا محطة في مسار شخصي يبحث عن النفوذ والوجاهة. الوزارة مسؤولية عمومية، وصاحبها لا يحمل حقيبة جلدية فيها أوراق، بل يحمل معه ثقة الناس وصورة المؤسسات وهيبة الدولة. ومن لا يفهم هذا الفرق، يخلط بين الدولة والحزب، وبين المنصب والغنيمة، وبين السياسة وتوزيع الامتيازات.
وإذا كانت جهة حزبية قد اقترحت اسما تحوم حوله شبهات جدية، فإن مسؤوليتها لا تنتهي بمجرد صدور قرار التعيين. فالأحزاب ليست مكاتب لتوزيع التزكيات، ولا وسطاء لتسويق الأسماء إلى مواقع المسؤولية. إنها مؤسسات يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن النزاهة، لا أن تتحول اختياراتها إلى مصدر للأسئلة والشكوك.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين: المسؤولية السياسية للجهة التي تقترح الأسماء لا تعني تلقائيا مسؤولية قانونية عن كل اتهام يثار بشأنها، كما أن التعيين الرسمي لا يثبت علم أي جهة بما قد يكون خافيا من معطيات. المطلوب هو كشف ما جرى، وتحديد من كان يعلم ماذا، ومتى علم، وما الإجراءات التي اتخذت، ثم ترتيب المسؤوليات على أساس الوقائع لا التخمينات.
المفارقة أن الخطاب السياسي في المغرب اعتاد أن يجعل الإدارة شماعة جاهزة لتعليق كل اختلال انتخابي، وأن يقدم الأحزاب أحيانا باعتبارها ضحية تدخلات خارجية. لكن ماذا يحدث عندما تصبح الأسئلة مطروحة حول الفاعل الحزبي نفسه؟ هل سنظل نبحث عن متهم بعيد، أم سنملك الشجاعة للاعتراف بأن جزءا من أزمة الديمقراطية قد يكون كامنا داخل الأحزاب، في طريقة صناعة النخب، وانتقاء المرشحين، وتوزيع التزكيات؟
لقد آن الأوان لنتوقف عن التعامل مع الفساد الانتخابي باعتباره حرفة إدارية فقط. فالفساد، متى ثبت، لا يحمل بطاقة انتماء واحدة، ولا يعترف بالخطوط الإيديولوجية التي تفصل الأحزاب في الخطب والتصريحات. إنه يجد طريقه حيث تغيب الرقابة، وتضعف المحاسبة، وتصبح المصلحة الخاصة أقوى من المصلحة العامة.
والأخطر أن يتحول التنافس الانتخابي من معركة برامج وأفكار إلى سباق نحو المقاعد بأي وسيلة، وأن يصبح الوصول إلى المؤسسات غاية تبرر الوسيلة، لا مسؤولية تفرض النزاهة والاستقامة. عندها لا نكون أمام أزمة مرشحين فحسب، بل أمام أزمة ثقافة سياسية كاملة تحتاج إلى مراجعة شجاعة.
أما الحديث عن تأنيث الفساد الانتخابي أو الوصول إلى المناصفة فيه، فهو تعبير ساخر قد يجذب الانتباه، لكنه لا ينبغي أن يحجب جوهر المسألة. فالفساد ليس ذكرا ولا أنثى، وإنما ممارسة منحرفة لا تُقاس بهوية مرتكبها، بل بخطورتها وأثرها على المؤسسات. والمساواة الحقيقية هي أن يخضع الجميع للمعايير نفسها، وأن تكون المسؤولية والمحاسبة حقا عاما لا امتيازا تمنحه الحسابات الحزبية.
وهل يعني كل هذا أن الحكومة على وشك السقوط؟
ليس بالضرورة. فالحكومات لا تسقط بمنشور، ولا تنتهي بمجرد تداول خبر، ولا تقاس أعمارها السياسية بعدد الفضائح التي تتصدر العناوين وحدها. لكنها تبدأ في استنزاف رصيدها حين تعجز عن تقديم أجوبة مقنعة، وحين تتحول الأزمات المتفرقة إلى صورة عامة عن اختلال معايير الاختيار، وحين يشعر المواطن بأن من يطالبونه بالثقة لا يقدمون ما يكفي من الضمانات لاستحقاقها.
قد تنجو الحكومة من أزمة اليوم، لكنها لن تنجو إلى الأبد من سؤال المصداقية. وقد تنجح في تدبير أغلبيتها داخل البرلمان، لكنها ستجد صعوبة أكبر في تدبير الثقة خارج أسواره إذا اتسعت الفجوة بين خطاب الإصلاح وممارسة السياسة.
وهذه هي المفارقة الكبرى: قد تملك الحكومة الأغلبية العددية، لكنها تحتاج إلى أغلبية أخلاقية لا تُمنح في صناديق الاقتراع مرة واحدة، بل تُكتسب كل يوم بالنزاهة والوضوح وتحمل المسؤولية.
إن المطلوب اليوم ليس صناعة محاكمات إعلامية، ولا تحويل الشبهات إلى أحكام نهائية، ولا حماية الأشخاص بحجة الانتماء السياسي. المطلوب هو أن تكون الحقيقة أقوى من الحزب، والقانون أقوى من النفوذ، والمصلحة العامة أقوى من حسابات المقاعد والمناصب.
نحتاج إلى ثورة في الثقافة السياسية، تبدأ من داخل الأحزاب قبل أن تصل إلى مؤسسات الدولة. ثورة تعيد الاعتبار للتزكية باعتبارها شهادة ثقة، لا ورقة عبور إلى الامتيازات. وتعيد للانتخابات معناها بوصفها منافسة على البرامج والحلول، لا سوقا مفتوحة للنفوذ والمال والوساطات.
فالديمقراطية ليست مجرد صناديق تُفتح في يوم الاقتراع، بل منظومة قيم تبدأ قبل ذلك بكثير، من طريقة اختيار المرشحين، وتمر بنزاهة التنافس، وتنتهي بمحاسبة من يتولون تدبير الشأن العام.
أما أن نطالب المواطن بالنزاهة، ونطالبه باحترام القانون، ونطالبه بأداء واجباته، ثم نعجز عن تقديم النموذج نفسه من داخل المؤسسات، فذلك هو الطريق الأقصر نحو إفراغ السياسة من معناها، وتحويل الديمقراطية إلى واجهة جميلة تخفي خلفها أزمة ثقة عميقة.
إن أزمة الحكومة، إن اتسعت، لن تكون بالضرورة أزمة مقاعد وحقائب، بل أزمة معنى: ماذا بقي من السياسة حين تنفصل المناصب عن معايير الاستحقاق، وتنفصل التزكيات عن المسؤولية، وينفصل الخطاب عن الممارسة؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يقلق الحكومة والأحزاب معا. أما الخيمة التي خرجت منها الحكومة مايلة، فليست المشكلة في ميلانها وحده، بل في أن يصر أصحابها على إقناع الجميع بأن الخيمة مستقيمة، وأن العيب في عيون من يرونها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾

