حافة الهاوية السياسية: حين تُهدد النخب الهشة الاستقرار المؤسساتي والدولة بالمغرب.

حافة الهاوية السياسية: حين تُهدد النخب الهشة الاستقرار المؤسساتي والدولة بالمغرب.
د. المصطفى قاسمي أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

يعيش المغرب في الراهن مرحلة تاريخية بالغة الدقة والتعقيد، تتسم بتقاطع تحولات جيوسياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. وفي الوقت الذي تراكم فيه المملكة نجاحات استراتيجية وازنة على المستوى الدبلوماسي وتخوض ورشاً تنموياً طموحاً لتنزيل دعائم “الدولة الاجتماعية”، تشهد الساحة السياسية الداخلية نكوصاً لافتاً على مستوى جودة التمثيلية والنخب المكلفة بتدبير الشأن العام.

إن المشهد الحكومي الحالي يثير تساؤلات حارقة وشكوكاً عميقة لدى أطياف واسعة من المجتمع؛ إذ يتزايد الشعور العام باستسناد الحقائب الوزارية ومراكز القرار إلى “وجوه تفتقر إلى الكفاءة التسييرية والشرعية الشعبية”، واستبعاد الطاقات الوطنية الصادقة والمؤهلة. 

إن هذا التباين الحاد بين طموح الرؤية الملكية والاستحقاقات المصيرية للبلاد من جهة، وبين عجز الحكومة عن التواصل وإبداع الحلول من جهة أخرى، يضع النسق السياسي أمام إشكالية سوسيولوجية ودستورية تتجاوز مجرد تقييم أداء قطاعي إلى التساؤل عن سلامة البناء المؤسساتي واستدامته.

سوسيولوجيا النخب بالمغرب: من تمثيل المواطن إلى تمثيل المصالح:

أ. انهيار الوظيفة التأطيرية للأحزاب ورسملة الممارسة السياسية

تؤكد أدبيات علم الاجتماع السياسي أن الأحزاب تُعدّ الشرايين الحيوية للنسق الديمقراطي، بكونها القنوات الدستورية الكفيلة بتأطير المواطنين، إنتاج الفكر السياسي، وتصعيد النخب الكفء إلى مراكز القرار. غير أن التحول السوسيولوجي الذي شهده المشهد الحزبي المغربي خلال العقود الأخيرة أفرغ هذه الهياكل من محتواها التأطيري والفكري.

لقد تحولت الأحزاب السياسية، تحت وطأة العقلية الانتخابوية البحتة، من تنظيمات نضالية إلى “مقاولات لتوزيع التزكيات”. وفي ظل تراجع التنشئة السياسية وتهميش الأطر الفكرية، أصبحت التزكية الانتخابية تُمنح بناءً على القدرة المالية والسيطرة على الشبكات الريعية المحلية. 

إن هذا المسار أدى إلى صعود فئة “الأعيان الجدد” ورجال الأعمال، واحتلالهم للمناصب القيادية في الهياكل الحزبية وفي المجالس المنتخبة، على حساب الكفاءات العلمية والإدارية والتكنوقراطية النزيهة.

ب .ظاهرة زواج المال بالسلطة وأزمة المعايير

تُعدّ هيمنة النخب المالية على المجال السياسي من أبرز مسببات “أزمة معايير الاختيار” في الهندسة الحكومية. فعندما يصبح المال الممر الرئيسي نحو القيادات الحزبية والوزارية، تُختزل معايير الاستحقاق والنزاهة والخبرة العلمية لصالح منطق الترضيات الحزبية والمحاصصة الرقمية لتشكيل الأغلبية.

إن النتيجة المباشرة لـ “زواج المال بالسلطة” هي إنتاج بيئة معتمة تعاني من تضارب حاد في المصالح. فدخول الفاعلين الاقتصاديين إلى دائرة القرار التنفيذي والتشريعي يجعل من صياغة السياسات العمومية والقوانين الجبائية والمالية وسيلة لتأمين الامتيازات وحماية النفوذ الاقتصادي، عوض توجيهها لخدمة الصالح العام ورعاية الفئات الهشة. هذا الواقع هو ما ولد لدى المواطن انطباعاً باستستهان الحكومة بالثقة العامة وبالكرامة الشعبية.

مستويات المساءلة والتحليل النسقي للأزمة

إن توصيف الحكومة بـ “الضعف” أو العجز عن الاستجابة للتحديات الكبرى لا يمكن ردّه إلى عامل أحادي، بل هو حصيلة تفاعل ثلاثة مستويات من المسؤولية داخل النسق السياسي:

1. مسؤولية النخبة والوساطة السياسية

تتحمل القيادات الحزبية قسطاً وافراً من المسؤولية التاريخية؛ نظراً لاعتمادها منطق الشاغرية وتغييب الديمقراطية الداخلية، فضلاً عن تقاعسها عن إحداث بنوك معطيات ومراكز تفكير تستقطب الكفاءات المغربية بالداخل والخارج. لقد آثرت القيادات تهميش الطاقات الحية خشية المساس بمواقعها النفوذية، ورضيت بدفن الرصيد الرمزي للأحزاب مقابل المكتسبات السلطوية الشكليّة.

2. مسؤولية الهندسة والتدبير التنفيذي

بحسب مقتضيات الفصل 47 من دستور 2011، يتولى رئيس الحكومة مسؤولية اقتراح اعضاء حكومته. غير أن ممارسة هذا الاختصاص الدستوري شهدت خضوعاً كلياً لمنطق التوافقات الهشة والمحاصصة بين مكونات الأغلبية، على حساب مؤشرات النجاعة والكفاءة البروفايلية. كما تعمق هذا العجز بسبب غياب الرؤية السياسية الشاملة والتواصل الشفاف مع الرأي العام، حيث جرى استبدال الخطاب السياسي المقنع باللغة التقنوية الباردة أو بالصمت غير المبرر أمام الأزمات المعيشية.

3. مسؤولية النظام النسقي والهندسة الانتخابية

يرتبط هذا المستوى بالبيئة القانونية والانتخابية المعتمدة التي تفرز أغلبيات برلمانية مشتتة وغير متجانسة أيديولوجياً. إن المراهنة على التوازنات الرقمية البحتة تفرض بالضرورة تحالفات مصلحية ضيقة، تجعل تعيين الوزراء يخضع لجامع إرضاء الشركاء وتفادي الأزمات الحكومية، لا لاستدعاء الكفاءات الاستثنائية للبلاد.

أن المملكة انتقلت تدريجياً من نخب تحمل مشروعاً سياسياً وحساً نضالياً وقدرة على التواصل والتأطير، إلى نخب تكنوقراطية وريعية تفتقر للتجذر الشعبي والقدرة على مواجهة الصدمات الاجتماعية.

خطورة الوضع: 

انكشاف المؤسسة الملكية وتآكل جدار الصد.

إن خطورة استمرار هذا العجز الحكومي لا تقف عند حدود تقصير قطاع وزاري أو إخفاق برنامج اجتماعي، بل تتجاوزه إلى تهديد البناء الدستوري والأمن الاستراتيجي للدولة عبر ثلاثة مظاهر خطيرة:

أولاً: استنزاف الرصيد الرمزي وتهاوي “مصدات الصدمات”

في النظم السياسية الدستورية، تلعب الحكومات والأحزاب دور “مصدات الصدمات” التي تستوعب الغضب الشعبي وتتحمل المسؤولية المباشرة عن السياسات العمومية الفاشلة. غير أن جودة الوزراء القائمة وضيق أفقهم السياسي أدى إلى انكشاف هذا الجدار. فحين يرى المواطن حكومة عاجزة عن التواصل وعن تقديم الحلول، يتجاوز الأحزاب والمؤسسات التنفيذية ليتجه بمطالبه وغضبه مباشرة نحو المؤسسة الملكية. 

ان هذا الوضع يلغي مسافة الأمان الدستوري ويضع أعلى سلطة في البلاد في مواجهة يومية ومباشرة مع مطالب الشارع.

ثانياً: تآكل المشروعية الديمقراطية وانتشار العزوف

يؤدي إغلاق آفاق الارتقاء السياسي أمام الكفاءات المستقلة والنزيهة إلى شعور جماعي باليأس وفقدان المعنى من المشاركة السياسية. إن انخفاض نسبة المشاركة الانتخابية وزيادة العزوف يمثلان دعوة صريحة لإعادة النظر في جدوى العملية برمتها، وهو ما يفتح الباب أمام ظواهر الاحتجاج العفوي خارج المؤسسات والتنظيمات الدستورية.

ثالثاً: تعثر الورش التنموي في ظرفية دولية حاسمة

تخوض المملكة معارك جيوسياسية مصيرية لترسيخ وحدتها الترابية ومكانتها الإقليمية، وتواجه إكراهات هيكلية كالإجهاد المائي والتغير المناخي. 

إن وجود حكومة ضعيفة ومشتتة يعوق تنزيل النموذج التنموي الجديد ورؤى الدولة الاجتماعية، مما يستنزف المقومات الاقتصادية للبلاد ويضعف المناعة الوطنية أمام أي صدمات خارجية.

دق ناقوس الخطر: نحو ميثاق وطني للكفاءة والمساءلة.

إن دق ناقوس الخطر في هذه اللحظة الحاسمة ليس صنيع المبالغة، بل هو نداء واعي تحتمه أمانة المواطنة والحرص على المستقبل المؤسساتي للمغرب. 

إن استمرار النهج القائم في إدارة النخب واختيار الفاعلين الحكوميين يضع البلاد أمام مخاطر حقيقية لا تُحمد عقباها.

لقد برهن المغرب عبر تاريخه الحديث عن قدرة فائقة على الانبعاث وتصحيح المسارات كلما دعت الضرورة الوطنية؛ غير أن المرحلة الراهنة لا تتحمل الارتجالية أو استمرار الترضيات الضيقة. إن الخروج من هذه “الهاوية السياسية” يتطلب قراراً تاريخياً شجاعاً يرسي قطيعة جذرية مع زواج المال بالسلطة، ويُفعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويكرس الديمقراطية الداخلية للأحزاب، لإعادة الاعتبار للكفاءات الوطنية النزيهة والمهمشة.

فقط عبر هذه الهندسة القائمة على الشفافية والاستحقاق، يمكن إعادة بناء الثقة المفككة بين المواطن والمؤسسات، وصيانة الاستقرار العميق للبلاد، وضمان العبور الآمن لنظام سياسي قوي ومتماسك يستجيب لكرامة المواطنين وللتحديات المصيرية للأمة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *