الدعم السينمائي… آلية تقدم أم شكل من أشكال التخلف؟
لازال الدعم السينمائي يطرح إشكالية معقدة، تتقاطع فيها أبعاد متعددة بين ماهو ثقافي واقتصادي وسياسي، إذ يتأرجح النقاش بين اعتباره رافعة لتطوير الصناعة السينمائية، وبين النظر إليه كآلية قد تكرّس نوعا من الفساد انطلاقا من علاقات معينة أو اعتبارا لأسماء دون غيرها. ويهدف هذا التحليل إلى تفكيك هذا الطرح من خلال قراءة موضوعية لمختلف زواياه.
أولاً، من حيث المبدأ، يُعدّ الدعم السينمائي سياسة عمومية تعتمدها الدول من أجل حماية الإنتاج الثقافي الوطني وتعزيزه، خاصة في ظل المنافسة العالمية الشرسة التي تفرضها الصناعات السينمائية الكبرى. فالدعم يساهم في تمويل المشاريع السينمائية، وتشجيع المواهب الشابة، وضمان استمرارية الإنتاج عند كافة الممارسين في المجال، وهو ما يجعله، في هذا السياق، آلية للتقدم والتنمية الثقافية. وعليه، فالدعم تشكل للمساعدة في الإنتاج الفني/السينمائي، لما يتطلبه المجال من فاتورة لا يستطيع معها الفنان توفيرها من جيبه الخاص. غير أن بعض القوانين تحد من إيجابيته، خاصة حينما يوضع رهن إشارة أسماء تتوفر مسبقا على ثروتها الشخصية في صناعة الأفلام، و يعزون ذلك بكون الآخرين لا يتوفرون على ما يؤهلهم للمساهمة ماليا. هذا الشرط يقلص من أهداف منح الدعم العمومي، و يضيق الخناق على الفنان الفقير، و لا يمنحه فرصة الاشتغال المستمر، مما يكرس لظاهرة الفقر و انتشارها بين صفوف الفنانين. ما يؤدي إلى طرح انتقادات، يرى معها البعض أن الدعم قد يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج نفس الأسماء والتجارب، ويحدّ من التجديد والإبداع. كما قد يتسبب في حالات غياب الشفافية أو تكافؤ الفرص، حيث يمكن أن يخضع لمنطق العلاقات، بدل معايير الجودة الفنية. وفي هذه الحالة، يصبح الدعم عائقاً أمام تطور السينما بدل أن يكون محفزاً لها.
و من أهداف الدعم السينمائي كذلك، مساهمته في تحقيق إشعاع ثقافي للدولة، من خلال المشاركة في المهرجانات الدولية وإنتاج أفلام تعكس الهوية الوطنية، في إطار من العالمية الموضوعية، لأن العالمية في الفيلم السينمائي نستشفها من خلال نوع المناقشة والخطاب الموجه، وليس من خلال الحدث الذي يتبلور داخل مجتمع معين بشخصياته و إطاره الزمكاني. كما لا تعود العالمية في السينما إلى بناء شخصية الفاعل، و لا ترتبط بنوع إقامته أو أشكال توجهاته و ميولاته، ولا علاقة لها بنوع معين من المواضيع. وهذا لا يمنع الإدارة من تحديد توجيه دعمها في ترتيب يناسب أنواع الأفلام، ولها أن توقفه في وجه أفلام الشباك / الأفلام التجارية التي تستمد قوتها المادية من شباك التذاكر. و كل خلل في رسم الخطوط العريضة الموجهة للدعم العمومي، قد يدفع بعض المنتجين / المخرجين إلى إنتاج أعمال موجهة أساساً لإرضاء لجان الدعم أو التظاهرات الدولية، بدل مخاطبة الجمهور المحلي والعالمي ، وهو ما يخلق فجوة بين الفيلم والمتلقي. بل يقوض الهدف النبيل الذي برز من أجله صندوق الدعم السينمائي، حيث يحمل عرف المفهوم السليم لأي نوع من الدعم المالي في أي مجال شكله في تقديم المساعدة للفقير في مجاله …
كما تبرز إشكالية المردودية الاقتصادية لدى الإدارة السينمائية، إذ يُطرح سؤال جدوى استثمار المال العام في أفلام لا تحقق عائدات تجارية أو انتشاراً واسعاً. غير أن هذا السؤال يغفل أن السينما ليست مجرد صناعة ربحية، بل هي أيضا وسيلة للتعبير الثقافي وبناء للوعي المجتمعي، ولا يمكن ربطها بمردودية الربح المادي للفيلم، طالما هناك نوع من الأفلام / كأفلام المؤلف في المغرب لا تجد مكانا للمشاهدة لدى قاعدة الجمهور العريض، و إنما يهتم بها المتابع المثقف الذي يبحث عن التحليل العميق لمختلف المظاهر والظواهر. لذلك هذا النوع من الأفلام يحتاج دعما ماليا بغض النظر عن سيولة الفاعل البشري فيه، أو طبيعة موضوعه المعقدة، وأحيانا تحمل هموم المجتمع المباشرة أو انشغالاته الفلسفية. إن توجيه الدعم السينمائي و اسقراره على بند خاطئ يعطي أحقية الاستفادة لفئة البرجوازية الفاعلة في السينما أو كل من له ميزانية قادرة على مواجهة الصناعة السينمائية، يكرس فسادا يعود على السينما بالتقهقر و التخلف، لأن الفن لا يقاس بميزانية الشخص بقدر ما يقاس بدرجة سمو موهبته و قدرته على الإبداع .و كل فنان قادر على مواجهة الصعاب المالية داخل الحقل السينمائي من واجبه عدم التضييق على الفقراء الكثر في المجال، أو على الأقل لا يمكن برمجة هذا التوجيه الخاطئ كبند أساسي للمترشجين للاستفادة من الدعم العمومي يلزمهم التوفر على نسبة مهمة من فاتورة إنتاج الفيلم السينمائي. إن مثل هذه الشروط تحد من خلق فرص العمل و تجعلها بين أيدي فئة برجوازية متعالية على ألآخرين، مما يخلف تدمرا لدى الفنانين و يفشي الحاجة بين صفوفهم، كما تظهر فوارق طبقية تتولد عنها حزازات بين الممارسين وقد تفضي إلى انتشار أمراض نفسية خطيرة تلهف حياة الفنان المتعب/ منهم من يعلن مد يده في طلب النجدة والمساعدة خارج إطار العمل، ومنهم من يفكر تفكيرا سلبيا يؤدي بحياته،كما هناك آخرون يعلنون تذمرهم أمام منابر إعلامية ضعيفة تخلق منهم “البوز” في محاولة توسيع دائرة المشاهدة. هذا يشوه نظافة الحقل الفني و يجعلنا أمام صورة واضحة من التخلف و تعثر درجات التطور و التقدم. وهنا كذلك نسجل غياب الهدف المنشود من خلال توزيع الدعم العمومي الذي من الواجب أن يحارب مظاهر الفقر داخل الحقل الفني بخلق فرص شغل لفائدة المنضوين تحت لواء راية الفن السينمائي رجالا و نساء.
لا يمكن الحكم على الدعم السينمائي بشكل مطلق، إذ يظل أداة محايدة تتحدد قيمتها وفق طريقة تدبيرها. فإذا تم تأطيره بالحكامة الجيدة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإنه يتحول إلى رافعة حقيقية للتقدم. أما إذا شابته الاختلالات، فقد يصبح لا محالة شكلاً من أشكال التخلف الثقافي والإبداعي. وهنا يجب على الإدارة المعنية أن تنكب باهتمام كبير في تحديد معايير انتقاء أعضاء اللجان، لأنها تعد اللبنة الأولى بل الوحيدة في ترتيب توزيع متكافئ لكل رقم مالي وضع تحت إمرتها. هذا ينتقل بنا لمناقشة نقطة عريضة ومهمة لها دور فعال في الحفاظ على إيجابية الدعم السينمائي بكل مقاييسه، ترتبط مباشرة بأعضاء اللجنة المكلفة بالنظر في الملفات :
وجوب تعيين أعضاء اللجان من داخل الحقل الفني، إن الشخص الذي يمكنه تدبر و قراءة أحداث وفصول عمل فني معين لا يمكن أن نستعيره من مجالات بعيدة، فأهل الفن أدرى من غيرهم بقواعد كتابة السيناريو و ضوابط عين الإخراج و حدود فاتورة كل عمل. و يمكن للإدارة أن تعين ملاحظين إداريين منتسبين للجهات الإدارية المعنية، كما قد لا يزيد عدد الأعضاء عن الرقم خمسة / كاتب و مخرج و منتج و مشخص و تقني. و في اعتبار مواز لعمل اللجنة ، فهذه الأخيرة ليس بالضرورة ممارستها الأستاذية على الباقي، لأن تعيينها لا يمنحها الأفضلية على باقي الفنانين، و إنما هي تنفذ أمرا وكل إليها بموجب التجربة المهنية لكل أعضائها، و هي بذلك تساعد الإدارة في ضبط توزيع عادل للدعم السينمائي.
وعليه، فإن تطوير منظومة الدعم السينمائي يقتضي مراجعة آلياته، وتوسيع قاعدة المستفيدين، وربط الدعم بالجودة والابتكار، بما يضمن تحقيق التوازن بين الحرية الإبداعية والمسؤولية الثقافية. وذلك لا يعفي الإدارة من التتبع و المراقبة، لتتدخل كلما ثبت خلل معين أو فساد شاب ملفا معينا. إننا اليوم لا محالة ننتظر أن نعاين سينما وطنية/عالمية مغربية، لذلك وجب تخصيب عطاءات الفنانين دون شرط توفر صفة الغني على الممارسين، لتتسع دائرة الإبداع موضوعا و شكلا وخلق الفرص العديدة لكل المنظومة السينمائية المغربية دون إقصاء و دون تضييق خناق.

