شكاية تهز تمارة.. صفحة إخبارية بلا سند قانوني في قلب اتهامات بالتشهير والسب والقذف
عاد ملف التشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي بمدينة تمارة إلى الواجهة، بعد أن تقدمت المنظمة الوطنية للحماية الإلكترونية بشكاية إلى السيد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتمارة، بشأن وقائع وصفتها بأنها تستوجب البحث والتحقق، وتتعلق بالسب والقذف والتشهير ونشر وتداول ادعاءات ووقائع كاذبة عبر الأنظمة المعلوماتية.
الشكاية، التي تقدمت بها المنظمة في شخص ممثلها القانوني، جاءت بناءً على ثلاث طلبات مؤازرة ومواكبة توصلت بها المنظمة من أشخاص أفادوا بتعرضهم لوقائع متقاربة من حيث طبيعتها ووسائل ارتكابها، وهو ما دفع المنظمة إلى إحالة المعطيات على النيابة العامة للمطالبة بفتح بحث قضائي وتقني.
وبحسب مضمون الشكاية، فقد تكرر اسم المشتكى به «ط.أ» في طلبات المؤازرة الثلاثة، بينما ورد اسم «ي.ص» في طلبين، واسم «ع.ش» في أحدها.
وترى المنظمة أن تكرار بعض الأسماء وتقاطع الوقائع والوسائل الرقمية يستوجب التحقق من مدى وجود ارتباط أو ترابط بين الملفات، بدل التعامل معها بالضرورة كوقائع منفصلة.
ومن بين النقاط التي أثارتها الشكاية وجود صفحة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» تقدم نفسها بطابع إخباري وإعلامي، حيث تفيد المعطيات التي وضعت رهن إشارة المنظمة بأن «ط.أ» يتولى إدارتها وتسييرها.
وتشير الشكاية إلى أن الصفحة استُعملت، بحسب إفادات أصحاب طلبات المؤازرة، في نشر وتداول منشورات وصور وتسجيلات وتصريحات اعتبرها المعنيون مسيئة إليهم، ومتضمنة لادعاءات من شأنها، بحسب تصريحاتهم، المساس بسمعتهم واعتبارهم أمام العموم.
كما أثارت المنظمة مسألة الوضعية القانونية لهذه الصفحة ومدى توفرها على السند القانوني والتنظيمي اللازم لممارسة نشاط ذي طابع إخباري وإعلامي، مطالبة النيابة العامة بالتحقق من طبيعة الصفحة والقائمين عليها والمسؤولين فعلياً عن المحتويات المنشورة من خلالها.
غير أن المنظمة لم تحسم في هذه المسألة، بل طالبت بإجراء البحث والتحقق من الوضعية القانونية للصفحة ومن مدى خضوعها للمقتضيات القانونية والتنظيمية ذات الصلة.
المثير في الملف أن الشكاية تشير إلى وجود شكايات سبق أن تقدم بها بعض أصحاب طلبات المؤازرة أمام النيابة العامة بشأن وقائع مرتبطة بالموضوع.
وحسب الوثيقة، يتعلق الأمر بشكاية تقدمت بها إحدى المشتكيات بتاريخ 05 أكتوبر 2026 تحت عدد 686/3131/2026، وشكاية ثانية بتاريخ 17 شتنبر 2026 تحت عدد 632/3101/2026، وشكاية ثالثة بتاريخ 01 أكتوبر 2026 تحت عدد 673/3131/26.
هذه المعطيات تفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت الملفات المذكورة تتعلق بوقائع مستقلة، أم أن هناك عناصر مشتركة قد تكشف عنها الأبحاث في حال قررت النيابة العامة التوسع في التحقيق.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام مجرد نزاعات متفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي، أم أن تقاطع الأسماء والوقائع والحسابات يستدعي البحث في احتمال وجود ترابط بينها؟
المنظمة الوطنية للحماية الإلكترونية لم تطلب فقط الاستماع إلى الأطراف، بل التمست إجراء أبحاث ومعاينات تقنية للحسابات والصفحات والمحتويات الرقمية موضوع الشكاية.
كما طالبت بالتحقق من مصادر المنشورات، وتواريخ نشرها، وظروف تداولها، وهوية الأشخاص الذين يقفون وراء نشرها أو إعادة نشرها، ومدى صلة المشتكى بهم بها.
وطالبت كذلك بالتحقق من مضمون المنشورات والصور والتسجيلات والمقاطع موضوع التبليغ، ومدى صحة الادعاءات والوقائع الواردة فيها، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ الأدلة والمعطيات الرقمية عند الاقتضاء.
وبحسب الشكاية، فإن أصحاب طلبات المؤازرة يتوفرون على مجموعة من المعطيات والأدلة الرقمية، من بينها منشورات وصور ومقاطع فيديو وتسجيلات، إضافة إلى أقراص مدمجة تتضمن مواد مرتبطة بالوقائع المبلغ عنها.
هذه الأدلة لم تُرفق بالشكاية، حيث أوضحت المنظمة أن أصحابها سيقدمونها مباشرة أمام الضابطة القضائية المختصة عند استدعائهم، حتى يتم فحصها والتحقق من مصدرها وتاريخ نشرها وظروف تداولها.
القضية لا تطرح فقط مسألة مسؤولية أشخاص بعينهم، وإنما تعيد إلى الواجهة النقاش حول حدود العمل الإعلامي على مواقع التواصل الاجتماعي، والفرق بين التعبير عن الرأي وبين نشر محتويات قد تشكل، متى ثبتت عناصرها القانونية، أفعالاً يعاقب عليها القانون.
كما تطرح تساؤلات حول المسؤولية القانونية عن الصفحات التي تقدم نفسها في شكل منصات إخبارية، وحول هوية الأشخاص الذين يديرونها والمسؤولية المترتبة عن المحتويات التي تنشر عبرها.
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى أن الشكاية تتحدث عن أكثر من شخص تقدم بطلبات مؤازرة، وعن وقائع متقاربة وتكرار بعض الأسماء في أكثر من ملف.
ويبقى السؤال الأبرز الآن: هل ستقرر النيابة العامة فتح بحث شامل حول مختلف المعطيات الواردة في الشكاية، وهل ستكشف الأبحاث التقنية والقضائية عن وجود ترابط بين الملفات والوقائع المشار إليها؟
وفي حال تم فتح البحث، ستكون أمام الضابطة القضائية مهمة تحديد هوية مستعملي الحسابات والصفحات المعنية، وفحص المحتويات الرقمية، والاستماع إلى المشتكين والمشتكى بهم، ثم إحالة النتائج على النيابة العامة لاتخاذ المتعين قانوناً.
وتؤكد المنظمة في شكايتها أنها لا تتقدم بالوقائع باعتبارها أحكاماً نهائية، وإنما بناءً على طلبات المؤازرة والمعطيات التي توصلت بها، تاركة للنيابة العامة والجهات القضائية المختصة مهمة التحقق من صحة الوقائع وتحديد المسؤوليات والتكييف القانوني المناسب.
وبذلك، تجد مدينة تمارة نفسها أمام ملف رقمي جديد يطرح أسئلة ثقيلة حول حدود حرية التعبير، والمسؤولية عن المحتوى المنشور على الإنترنت، ومدى احترام القواعد القانونية المنظمة للنشر، والأهم: هل تكشف الأبحاث المرتقبة عن مجرد خلافات متفرقة، أم عن خيط واحد يربط بين مجموعة من الوقائع والشكايات؟
الجواب يبقى رهيناً بما ستسفر عنه الأبحاث، وما ستكشف عنه الأدلة الرقمية، وما ستقرره النيابة العامة والجهات القضائية المختصة.

