أهلية عبد الله البقالي للترشح لانتخابات المجلس الوطني للصحافة: بأي صفة؟

أهلية عبد الله البقالي للترشح لانتخابات المجلس الوطني للصحافة: بأي صفة؟
متابعة مجلة 24

يستعد الجسم الصحافي الوطني، المنقسم أصلا منذ إطلاق تجربة التنظيم الذاتي للمهنة سنة 2019، لخوض انتخابات جديدة للمجلس الوطني للصحافة، وسط إرث ثقيل من الإخفاقات الخلافات والانتقادات التي رافقت التجربة السابقة، وانتهت بتمديد ولايتها من طرف رئيس الحكومة عزيز أخنوش.

وإذا كانت هذه الانتخابات يفترض أن تفتح صفحة جديدة، فإنها مطالبة، قبل كل شيء، بتصحيح اختلالات الماضي واستعادة الثقة في مؤسسة يفترض أن تجسد التنظيم الذاتي للمهنة، لا أن تعيد إنتاج أسباب الانقسام والأزمة التي أضعفت التجربة السابقة.

وفي انتخابات 15 شتنبر الجاري، يتنافس 39 مترشحا، بينهم 31 صحافيا و8 صحافيات، على سبعة مقاعد مخصصة لفئة الصحافيين المهنيين: أربعة للرجال وثلاثة للنساء.

غير أن هذه المنافسة تضع، منذ الآن، سؤالا جوهريا أمام الرأي العام الصحافي: هل جرى تطبيق شروط الترشح وتصنيف المترشحين بالصرامة نفسها على الجميع، أم أن بعض الملفات تفتح الباب أمام تأويلات والتباسات كان يفترض حسمها قبل الاقتراع؟

وأبرز هذه الحالات ترشح عبد الله البقالي، أحد أعضاء التجربة الأولى للمجلس، ضمن فئة الصحافيين المهنيين، في وقت يشغل فيه حاليا منصب مدير نشر جريدة “العلم”.

وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: بأي صفة يترشح البقالي اليوم: صحافيا مهنيا، أم صحافيا شرفيا، أم مديرا للنشر؟

وهنا ينبغي التمييز بين هذه الصفات، لأنها لا تحيل إلى الوضعية المهنية نفسها. فالصحافي المهني هو من يمارس مهنة الصحافة بصفة مهنية، وتثبت صفته، في الإطار القانوني المنظم للمهنة، ببطاقة الصحافة المهنية. أما الصحافي الشرفي فهو صحافي مهني أحيل على التقاعد بعد استيفاء الشروط القانونية المرتبطة بمساره المهني، وهي صفة تعكس انتهاء الممارسة المهنية النشطة، مع احتفاظ صاحبها بالصفة الشرفية التي يحدد القانون آثارها. أما مدير النشر، فهي صفة مرتبطة بالمسؤولية القانونية عن المنشور والمحتوى الصحافي، ولا تعني، في حد ذاتها، أنها مرادفة لصفة الصحافي المهني أو الصحافي الشرفي.

وبالتالي، فإن الجمع بين صفة صحافي شرفي وصفة مدير نشر يطرح سؤالا مختلفا عن مجرد الاستمرار في ممارسة نشاط داخل مؤسسة إعلامية: أي من هذه الصفات هي التي ينبغي اعتمادها عند تحديد الأهلية للترشح ضمن الفئة الانتخابية المخصصة للصحافيين المهنيين؟

فالبقالي، المزداد سنة 1961، غادر ممارسة مهنة الصحافة سنة 2021، وأصبح، وفق هذه الوضعية، في عداد الصحافيين الشرفيين، أي الصحافيين المتقاعدين الذين أنهوا مسارهم المهني النشط. وفي المقابل، يشغل حاليا منصب مدير نشر جريدة “العلم”، وهي صفة قانونية قائمة بذاتها، تترتب عنها مسؤوليات مباشرة عن المحتوى المنشور.

ومن هنا، لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في التسمية أو بتفصيل إداري عابر، وإنما بمسألة تمس جوهر المنافسة الانتخابية: أي صفة مهنية وقانونية ينبغي اعتمادها لتحديد الفئة التي يحق للمترشح أن يخوض الانتخابات ضمنها؟

فإذا كان عبد الله البقالي قد أصبح صحافيا شرفيا منذ تقاعده، ويشغل اليوم صفة مدير نشر، فإن ترشحه ضمن فئة الصحافيين المهنيين يستوجب توضيحا قانونيا صريحا. هل تظل صفته التي تخوله الترشح ضمن هذه الفئة قائمة رغم انتقاله إلى وضعية التقاعد؟ وهل تكفي ممارسة مسؤولية مدير النشر لإثبات استيفائه شروط الترشح الخاصة بالصحافيين المهنيين؟

وهنا تحديدا تكمن المسألة القانونية التي لا يمكن تجاوزها بالتأويل أو بالصمت: هل تتوافر في البقالي، بوضعيته المهنية الحالية، جميع الشروط القانونية المطلوبة للترشح ضمن فئة الصحافيين المهنيين، أم أن صفته الحالية تفرض قراءة قانونية مختلفة؟

وتزداد حساسية هذا السؤال بالنظر إلى أن مدير النشر لا يشغل مجرد وظيفة إدارية، بل يتحمل مسؤوليات قانونية مرتبطة بالمادة المنشورة وما قد يترتب عنها من تبعات. ولذلك، فإن هذه الصفة لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفصيلا هامشيا عند تحديد وضعه المهني والانتخابي.

وهنا تبرز المفارقة بوضوح: إذا كانت الصفة المهنية أساسا في تحديد الفئة الانتخابية، فكيف يستقيم الترشح باسم الصحافيين المهنيين في ظل وضعية تجمع بين صفة صحافي شرفي وصفة مدير نشر؟

لكن المسؤولية لا تقع على المترشح وحده. فالبقالي اختار الفئة التي تقدم فيها، غير أن اللجنة المؤقتة المشرفة على انتخابات المجلس الوطني للصحافة هي التي درست ملفه وقبلت ترشيحه ومنحته الضوء الأخضر لخوض المنافسة ضمن فئة الصحافيين المهنيين.

وهنا تصبح اللجنة المؤقتة مطالبة بدورها بجواب واضح ومعلل: على أي أساس قانوني ومهني قبلت ترشح البقالي ضمن هذه الفئة؟ وما المعايير التي اعتمدتها في تحديد صفته الانتخابية؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا التصنيف إذا ثبت أنه لا ينسجم مع وضعيته المهنية الحالية؟

فاللجنة ليست مجرد جهاز تقني لتنظيم يوم الاقتراع. إن فحص شروط الترشح والبت في الملفات وتحديد المقبولين جزء جوهري من مسؤوليتها في ضمان سلامة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين. ومن ثم، فإن أي خطأ في هذه المرحلة لا يمكن اعتباره تفصيلا إداريا، ولا يمكن ترحيله إلى ما بعد ظهور النتائج.

المترشح يتحمل مسؤولية اختياره، واللجنة تتحمل مسؤولية قبول هذا الاختيار؟

إذا كانت اللجنة تعتبر أن ترشح البقالي ضمن فئة الصحافيين المهنيين يستجيب للقانون، فعليها أن تكشف بوضوح عن الأساس الذي استندت إليه، وأن تقدم تفسيرا قابلا للتدقيق والمساءلة. أما إبقاء الملف في منطقة رمادية، فإنه لن يؤدي سوى إلى تغذية الشكوك وفتح الباب أمام الاعتراضات والطعن في سلامة العملية الانتخابية.

ومن المرتقب أن يثير هذا الترشيح اعتراض عدد من المترشحين، خصوصا إذا اعتبروا أن الوضعية المهنية الحالية للبقالي لا تنسجم مع الفئة التي اختار الترشح ضمنها. وإذا حدث ذلك، فإن المسؤولية لن تتوقف عند المترشح، بل ستمتد بالضرورة إلى الجهة التي درست ملفه وقبلت ترشيحه، باعتبارها الجهة المخولة بالبت في أهلية المترشحين.

ولا ينبغي اختزال هذا النقاش في شخص عبد الله البقالي أو في تاريخه المهني. القضية ليست محاكمة لمسار صحافي، وإنما مساءلة لقواعد الانتخابات وللجهة المكلفة بتطبيقها.

فالمجلس الوطني للصحافة المقبل لا يحتاج فقط إلى أعضاء منتخبين، بل إلى شرعية قوية منذ لحظة ولادته. وهذه الشرعية تصبح موضع اختبار عندما تثار أسئلة جدية حول صفة مترشح، وحول الفئة التي اختارها، وحول الجهة التي سمحت له بخوض المنافسة ضمنها.

ومن هنا، فإن قضية البقالي قد تتحول إلى اختبار مبكر لمصداقية اللجنة المؤقتة نفسها: هل ستواجه السؤال بالوضوح القانوني المطلوب، أم ستتركه يتضخم إلى أن يتحول إلى نزاع انتخابي بعد الاقتراع؟

فالانتخابات النزيهة لا تبدأ بسرية التصويت ونزاهة الفرز، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير: من سلامة الترشيحات، وصحة التصنيف، وتكافؤ الفرص، ووضوح المعايير، وتحمل الجهة المشرفة مسؤولية قراراتها.

وإذا كان الهدف فعلا هو طي حقيقي لصفحة التجربة السابقة، فإن أول خطوة يجب أن تكون حاسمة: لا غموض في شروط الترشح، ولا التباس في الصفات، ولا معايير مزدوجة في تصنيف المتنافسين.

عبد الله البقالي مطالب بتوضيح الأساس الذي يبرر ترشحه ضمن فئة الصحافيين المهنيين، واللجنة المؤقتة مطالبة بتوضيح الأساس الذي قبلت بموجبه هذا الترشيح. وبين المسؤوليتين يتحدد جانب أساسي من مصداقية انتخابات 15 شتنبر 2026 وشرعية المجلس الوطني للصحافة المقبل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *