بين تحذيرات الجواهري ووعود الأحزاب.. الدعم الاجتماعي يطغى على الخطاب السياسي والهشاشة توجه اختيارات المغاربة

بين تحذيرات الجواهري ووعود الأحزاب.. الدعم الاجتماعي يطغى على الخطاب السياسي والهشاشة توجه اختيارات المغاربة
متابعة مجلة24

في الوقت الذي يطلق فيه والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، تحذيرات صارمة بضرورة ترشيد أو إيقاف برامج الدعم الاجتماعي لتفادي استنزاف ميزانية الدولة، تعزف جل الأحزاب السياسية على وتر استمالة الناخبين عبر تقديم وعود سخية تركز أساسا على استدامة الدعم المباشر للأسر وتحسين وضعية المتقاعدين. هذا التباين الصارخ بين لغة الأرقام الصارمة والبراغماتية الانتخابية، يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب تغييب النقاش حول النصوص القانونية والإصلاحات الهيكلية، وعما إذا كان ذلك راجعا لضعف الوعي السياسي لدى المواطن أم لتعقيدات المشهد السوسيو-اقتصادي.

وينطلق الجواهري في تحذيراته من موقعه كحارس للتوازنات الماكرو-اقتصادية، حيث ترى المؤسسة المالية المركزية أن تحول الدعم الاجتماعي إلى سياسة دائمة يهدد بتفاقم عجز الميزانية ورهن مستقبل الأجيال القادمة بالمديونية. وتؤكد هذه الرؤية التقنية أن الحل المستدام يكمن في خلق الثروة، وتحفيز الاستثمار، وتوفير فرص الشغل، بدلا من الاعتماد على توزيع المساعدات النقدية التي قد ترهق خزينة الدولة في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية وتوالي سنوات الجفاف.

في المقابل، تدرك الأحزاب السياسية أن العمل وفق أفق زمني قصير تحكمه الولاية الحكومية يتطلب تسويق برامج ذات جاذبية فورية. فالوعود الملموسة ذات الأثر المالي المباشر تعتبر أداة سريعة وفعالة لضمان الأصوات الانتخابية. ولهذا السبب، تتجنب الأغلبية الساحقة من التشكيلات السياسية الخوض في تفاصيل النصوص القانونية المعقدة، أو الحديث عن الإصلاحات المؤسساتية العميقة التي تتطلب تضحيات مرحلية وتستغرق سنوات طويلة لتظهر نتائجها، مفضلة التركيز على خطابات الاستهلاك اليومي التي تدغدغ عواطف الفئات المتضررة.

ولا يمكن تفسير هذا التوجه نحو الخطاب المالي المباشر بـ جهل المواطن، بل يرتبط ارتباطا وثيقا بواقع الهشاشة الاقتصادية. فالمواطن البسيط، الذي يكتوي يوميا بنار التضخم وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، يجد نفسه مجبرا على إعطاء الأولوية للحلول التي توفر له سيولة نقدية فورية لتأمين قوت أسرته، بدلا من الاهتمام بنقاشات تشريعية وقانونية قد تبدو له بعيدة عن واقعه المعيش. هذا الوضع يجعل الساحة السياسية أسيرة لخطابات الوعود السريعة، في غياب شبه تام لأحزاب قادرة على المزاوجة بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية الملحة، وتقديم مشاريع قانونية وهيكلية تضمن مناعة الاقتصاد الوطني على المدى البعيد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *