تحول بنيوي في المشهد السياسي.. صراع مبكر بين الأحرار والبام ينهي زمن القطبية الإيديولوجية
على غير عادة المحطات الانتخابية السابقة التي اتسمت بالتنافس الحاد بين الأحزاب الكلاسيكية الجماهيرية ذات المرجعية الإيديولوجية وبين نظيرتها القريبة من السلطة أو ما يعرف بـالأحزاب الإدارية، يعيش المشهد الحزبي المغربي تحولا بنيويا عميقا. ويتجلى هذا التحول في بروز صراع انتخابي مبكر بين حزبين حليفين مشاركين في الائتلاف الحكومي الحالي، وهما حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، وذلك في ظل تراجع ملحوظ لحضور الأحزاب التاريخية في حلبة السباق الانتخابي، وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، وبدرجة أقل حزب العدالة والتنمية.
وخلافا للتجارب الانتخابية التي طبعت المشهد السياسي سواء قبل أو بعد دستور 2011، حيث كانت القطبية تدار وفق منطق اليمين واليسار أو الإيديولوجي والإداري، تعطي المحطة الانتخابية التشريعية المقبلة، والمزمع تنظيمها في الثالث والعشرين من شتنبر القادم، انطباعا قويا بتواري هذه الثنائية التقليدية. وقد أفسح هذا التراجع المجال لترتيب حزبي وانتخابي جديد تهيمن فيه المكونات الحزبية التي توصف في الأدبيات السياسية بالقريبة من بيئة الحكم والتكنوقراط.
ولعقود خلت منذ استقلال المغرب، كانت الأحزاب الإيديولوجية، لاسيما اليسارية منها كالاتحاد الاشتراكي، تفرض وجودها كفاعل أساسي في المعادلة السياسية والانتخابية وحتى الاحتجاجية. وفي الألفية الجديدة، برز حزب العدالة والتنمية بمرجعيته الإسلامية كقوة وازنة، خاصة في استحقاقات 2012 و2016 التي واجه فيها حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يصطدم بحزب التجمع الوطني للأحرار في انتخابات 2021. غير أن المعطيات الميدانية الحالية تشير إلى أن الأحزاب ذات المرجعية باتت تكتفي بمحاولة إعادة ترتيب تموقعها، تاركة حلبة الصراع المباشر على تصدر المشهد لحزبي الجرار والحمامة.
ويعد هذا التحول سمة مغربية بامتياز، إذ بالانتقال إلى تجارب دول الجوار كإسبانيا، يلاحظ أن الإيديولوجيا لا تزال تلعب دورا حاسما في رسم الخريطة السياسية وتحديد التوازنات، وهو ما انعكس بوضوح في تدبير أزمات كالتي شهدتها سبتة المحتلة مؤخرا، بخلاف المشهد المغربي الذي تراجعت فيه حدة التأثير الإيديولوجي في تحديد التحالفات.
وفي تفاعل مع هذا النقاش، رفض رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، خلال استضافته مؤخرا في مؤسسة الفقيه التطواني، نعت حزبه بـالحزب الإداري، معتبرا أن هذا الوصف يشكل اختزالا مجحفا لا يمكن قبوله. وشدد شوكي على أن حزبه ساهم تاريخيا في تجربة التناوب التوافقي وفي إنقاذ حكومة العدالة والتنمية، مبرزا أن الأحرار يتبنى اليوم ثقافة وديمقراطية الإنجاز.
وخلص شوكي في تفاعله مع طبيعة المنافسة الحالية، إلى أن حصر الصراع الانتخابي المقبل بين حزبه وحزب الأصالة والمعاصرة يعد إنصافا للتجربة الحكومية الحالية، مشيرا إلى أن بقاء الحزبين الحليفين في صدارة المرشحين للفوز بالاستحقاقات هو دليل على نجاح مسارهما في تدبير الشأن العام.

