عبد العزيز بلغالي يكتب عن فلسفة مهرجان الأرز الدولي للفيلم القصير ازرو افران.
26 سنة من الإيمان بالسينما… ومن المقاومة بها إلى عشاق السينما، إلى الذين يرون في الفيلم أكثر من مجرد صورة متحركة، إلى المخرجين والكتاب والممثلين والتقنيين والنقاد، وإلى كل من آمن يوماً بأن السينما تستطيع أن تقول ما نعجز أحياناً عن قوله بالكلمات…
من هنا، من الأطلس، من أزرو وإفران ومحيطهما، نكتب إليكم.
ستة وعشرون عاماً ليست زمناً عابراً في عمر مهرجان سينمائي.
إنها ذاكرة كاملة من اللقاءات، والأفلام، والوجوه، والأحلام، والانتظارات، ومن الإصرار على أن يكون للفيلم القصير مكانه، وأن تصل السينما إلى فضاءات قد لا تكون دائماً في قلب الخريطة السينمائية.
لم يكن الطريق سهلاً.
على امتداد هذه السنوات، واجه المهرجان ما تواجهه كثير من المبادرات الثقافية التي اختارت أن تؤمن بالفن بعيداً عن وفرة الإمكانات: قلة الموارد، صعوبة الاستمرار، وتبدل الظروف، وثقل المسؤولية.
ومع ذلك استمر.
ليس لأن الطريق كان ممهداً، بل لأن هناك إيماناً بأن السينما تستحق أن تُقاوَم من أجلها الصعوبات.
لماذا الفيلم القصير؟
لأننا نؤمن أن قِصر الفيلم لا يعني قِصر الفكرة.
قد يحتاج فيلم إلى ساعتين كي يحكي حكاية، وقد تحتاج صورة واحدة إلى ثوانٍ قليلة لتفتح سؤالاً يبقى معنا سنوات.
الفيلم القصير مساحة للبحث والتجريب والمغامرة. وهو في كثير من الأحيان المكان الأول الذي يكتشف فيه المخرج صوته، ويختبر فيه الكاتب قدرته على بناء عالم، ويجد فيه الممثل فرصة لقول شيء مختلف.
لهذا لم يكن احتضان الفيلم القصير بالنسبة إلينا مجرد اختيار برمجي، بل كان اختياراً ثقافياً.
نحن نؤمن بالمواهب التي لم تصل بعد إلى الأضواء، وبالأفكار التي ما زالت تبحث عن طريقها، وبالمخرج الذي يحمل كاميرته ويحاول أن يصنع فيلماً رغم محدودية الإمكانات.
السينما لا تنتمي إلى المدن الكبرى وحدها ربما كان السؤال الذي رافق المهرجان طوال هذه السنوات بسيطاً:
هل تحتاج السينما إلى المركز كي تعيش؟
نحن نعتقد أن الجواب هو: لا. فالسينما يمكن أن تولد في المدينة، وفي القرية، وفي الجبل، وفي فضاء ثقافي صغير، وفي قاعة متواضعة، وفي مكان بعيد عن مراكز الإنتاج الكبرى.
لهذا اخترنا أن تبقى للسينما نافذة مفتوحة هنا، في أزرو وإفران ومناطق الأطلس والمجالات المحيطة بها.
ليس باعتبار المنطقة مجرد خلفية جميلة لمهرجان سينمائي، وإنما باعتبارها جزءاً من هويته ورؤيته.
فالجبال التي تحيط بنا، وأشجار الأرز، والقرى والمداشر، والناس الذين يعيشون هنا، وذاكرة المكان وتنوعه الثقافي والإنساني، كلها يمكن أن تكون مادة للسينما، ومجالاً للتأمل، ومصدراً للحكايات.
نحن لا نريد أن تأتي السينما إلى الأطلس كضيف عابر.
نريد أن تكون السينما جزءاً من حياة المكان.
الاستمرار ليس سهلاً… لكنه ممكن عندما يوجد الإيمان
لا نخفي عن جمهورنا أن استمرار المهرجان لم يكن دائماً أمراً سهلاً.
المهرجانات تحتاج إلى موارد، وإلى شركاء، وإلى دعم مؤسساتي، وإلى إمكانات لوجستية وبشرية. وعندما تكون الموارد محدودة، تصبح كل دورة نوعاً من الاختبار الحقيقي للإرادة.
لكننا لا نريد أن نحول الصعوبات إلى شكوى.
نريد أن نقول الحقيقة ببساطة:
نحن مستمرون لأننا نؤمن.
نؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه عندما تضيق الإمكانات.
ونؤمن بأن السينما ليست مناسبة موسمية، ولا سجادة حمراء، ولا صوراً عابرة.
السينما ذاكرة، وسؤال، وحوار، وحق في الاختلاف، ومساحة للخيال.
ولهذا فإن كل دورة جديدة هي بالنسبة إلينا أكثر من موعد في أجندة ثقافية.
إنها إعلان صغير عن أن الحلم يمكن أن يستمر، حتى عندما تكون الطريق صعبة.
مهرجان للسينمائيين… وللناس أيضاً لا نريد مهرجاناً يتحدث عن السينما داخل دائرة مغلقة.
نريد أن تصل السينما إلى الإنسان العادي أيضاً.
إلى الشاب الذي ربما لم يدرس السينما، لكنه يستطيع أن يتأثر بفيلم.
إلى التلميذ الذي قد يرى للمرة الأولى مخرجاً يتحدث عن تجربته.
إلى سكان المنطقة الذين ربما يكتشفون أن الجبل الذي يعيشون بجواره يمكن أن يصبح يوماً فضاءً لحكاية سينمائية. وإلى السينمائي الذي يأتي من مكان بعيد، حاملاً في حقيبته فيلماً قصيراً، وحلماً أكبر من إمكاناته.
هنا تلتقي هذه العوالم.
وهنا نريد أن تكون للسينما وظيفة تتجاوز الفرجة:
أن تفتح النقاش، وأن تقرب المسافات، وأن تجعلنا نرى أنفسنا والآخرين بطريقة مختلفة.
بعد 26 عاماً… ماذا نريد؟
لا ندّعي أننا صنعنا مهرجاناً مثالياً.
ولا نقول إننا امتلكنا كل الإمكانات.
لكننا نستطيع أن نقول شيئاً واحداً بثقة:
لقد حافظنا على الفكرة.
ستة وعشرون عاماً من الإيمان بالفيلم القصير تعني أن هناك أجيالاً من السينمائيين مروا من هنا، وأن أفلاماً عرضت هنا، وأن نقاشات بدأت هنا، وأن صداقات سينمائية ولدت هنا، وأن ذاكرة ثقافية تشكلت عبر الزمن.
وهذه الذاكرة مسؤولية.
لذلك نريد أن نواصل الطريق، لا من أجل الاحتفال بعدد السنوات، وإنما من أجل السنوات القادمة.
نريد أن نفتح المجال أكثر للشباب، وللمواهب الجديدة، وللتجارب المختلفة، وللأفلام التي تبحث عن لغة خاصة بها.
نريد أن يبقى الأطلس فضاءً للسينما، وأن يبقى الفيلم القصير حاضراً، وأن تبقى أبواب المهرجان مفتوحة أمام كل من يحمل فكرة وصورة وحكاية.
إلى السينمائيين وعشاق السينما
إذا كنتم تؤمنون بأن السينما تستطيع أن تعيش خارج المركز…
إذا كنتم تؤمنون بأن الفيلم القصير يستحق أن يُرى ويُناقش ويُحتفى به…
إذا كنتم تؤمنون بأن الثقافة لا تقاس دائماً بحجم الميزانية، وإنما بقدرتها على خلق الأثر…
فأنتم جزء من هذه الحكاية.
نحن لا نعدكم بطريق سهل.
لكننا نعدكم بشيء أهم:
أن نحاول أن نحافظ على المكان مفتوحاً للسينما.
من أزرو، من إفران، من قلب الأطلس، نواصل الإيمان بالفيلم القصير.
ستة وعشرون عاماً مضت،
والحكاية لم تنتهِ.
لأن السينما، بالنسبة إلينا، ليست مهرجاناً يقام مرة في السنة.
السينما هي إيمان نختبره كل عام من جديد.
وهذه المرة أيضاً… سنرفع الستار.

