بين الوصية وحضور المريدين… رحلة ميدانية إلى زوايا البودشيشية تكشف ملامح الاجتماع حول مولاي منير القادري البودشيشي
طرحت في الآونة الأخير الكثير من الأسئلة حول قضية شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، وقيل الكثير حول الموضوع، مما يفرض إجراء تحقيق صحفي، ضمن جولة إلى عدد من الزوايا الأصلية للطريقة القادرية البودشيشية، داخل المغرب، مع تتبع أخبار امتدادها في الخارج.
ويكفش التحقيق في أولى ملاحظته للتفاصيل اليومية داخل هذه الزوايا عن مشهد متماسك، عنوانه اجتماع المريدين حول الشيخ الدكتور مولاي منير القادري البودشيشي، واستمرار البرامج التربوية التي أرساها الشيخان العارفان بالله سيدي حمزة وسيدي جمال رضي الله عنهما.
منذ اللحظة الأولى لدخول هذه الزوايا، تجد عيناك أمام صور كبيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وصور أخرى للدكتور مولاي جمال الدين مع صاحب الجلالة.. ثم يلفت الانتباه حضور صورة الشيخ الدكتور مولاي منير في فضاءات الاستقبال، وقاعات الذكر، ومجالس التربية. المشهد يتكرر من زاوية إلى أخرى، في مختلف ربوع العالم.. وكأنه لغة مشتركة تختزل وحدة المرجعية، وتؤكد أن الزوايا التي تأسست في عهد الشيخين ما تزال تسير على النهج نفسه، وتحفظ السلسلة التربوية في انتظامها اليومي.
وعند الحضور في أوقات الذكر، تبدو الصورة أكثر تعبيرا.. حلقات منتظمة، ومريدون من مختلف الأعمار، وأوراد يومية تُتلى بإذن مولاي منير، وبرنامج تربوي يسير بإيقاع واحد في الزوايا التي شملتها المعاينة ( تطوان الرباط سلا فاس القنيطرة مراكش الدار البيضاء تيزنيت كلميم…) ويؤكد المشرفون على هذه المجالس أن البرنامج المتبع هو الامتداد الطبيعي لما استقر عليه العمل في حياة الشيخين سيدي حمزة وسيدي جمال، بما يحفظ وحدة الذكر ووحدة منهج التربية ووحدة السند.
وخلال هذه الجولة، حضرت الوصية في كل حديث ، وحضر تشبث المريدين بشيخهم ، وعلقت في الزوايا وثيقتين مكتوبتين يتداولهما المريدون بوصفها مرجعا في انتقال المشيخة، كتب على الأولى وصية مباركة، وهي لسيدي حمزة يوصي بالمشيخة لابنه مولاي جمال الدين وبعده لمولاي منير، والثانية كتب عليها وصية وتزكية، وهي لمولاي جمال الدين، يوصي بالمشيخة من بعده لابنه مولاي منير ثم وصايا شفهية، يحكيها المريدون، بعضها موثقة بالصوت والصورة يستحضرونها باعتبارها بيانا واضحًا لمعالم الامتداد بعد سيدي جمال..
لذلك تبدو المشيخة، في وجدانهم على ما يبدو، امتدادا لمسار تربوي متصل، أكثر من كونها توجيها إداريا أو تنظيميا.
ولم يقتصر هذا المشهد على الزوايا داخل المغرب، إذ تشير المعطيات التي جُمعت خلال إعداد هذا التحقيق إلى أن الزوايا والفروع التي كانت قائمة في عهد الشيخين خارج المملكة تواصل برامجها الروحية بالنسق نفسه، وتلتف حول الشيخ الدكتور مولاي منير القادري بودشيش ، مع استمرار المجالس، والأذكار، واللقاءات التربوية، بما يعكس وحدة الامتداد عبر مختلف الفضاءات التابعة للطريقة، وهو ما تظهره صور الزيارات التي قام بها مولاي منير إلى فرنسا وإلى برشلونة.
وفي المقابل، رصدت المعاينة ظهور فضاءات وزوايا جديدة أُنشئت خارج الرؤية التاريخية للطريقة ، وخلال محاولة معاينتها، بدت هذه الفضاءات وكأنها مقرات مغلقة، عليها يافطات، وحتى الصور المتداولة لها تظهر فراغا كبيرا مقارنة بالزوايا الأصلية، بينما تركزت فيها دائرة المترددين حول أشخاص يرتبطون بالقائمين عليها بعلاقات خاصة، أو يدخلون مقابل أجور تدفع لهم كل ليلة، وفق ما أفادت به شهادات عدد من المتابعين.
وتقود هذه الجولة إلى نتيجة يفرضها الواقع الميداني ، فحين تستمر الزوايا التاريخية في أداء رسالتها، وتنتظم الأذكار اليومية، وتحافظ المجالس على حضورها، وتلتقي أفئدة المريدين حول شيخ واحد، فإن السلسلة التربوية تعبر عن نفسها بالفعل قبل أي تدليس أو قول، وتكتب امتدادها في حياة الناس قبل أن تكتبه الوثائق. وهكذا يظل اجتماع المريدين حول الدكتور مولاي منير القادري البودشيشي عنوانا لمرحلة تتجسد فيها الوصية، وتستمر بها رسالة الطريقة القادرية البودشيشية في المغرب وخارجه.

