أزمة سبتة ومليلية ومفارقة جبل طارق.. إلى متى يستمر نزيف الجرح المغربي؟

أزمة سبتة ومليلية ومفارقة جبل طارق.. إلى متى يستمر نزيف الجرح المغربي؟
متابعة24

لم تعد أزمة النزوح الجماعي نحو الثغرين المحتلين سبتة ومليلية مجرد شأن ثنائي عابر بين المغرب وإسبانيا، بل تحولت إلى قضية أمن قومي أوروبي ودولي بامتياز. وقد تجلى هذا التحول بوضوح مع دخول روما على الخط، حيث حذر وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني من مخاطر الهجرة غير النظامية، ملوحا بإمكانية تعليق مشاركة إسبانيا في فضاء شنغن. هذا الموقف الصارم يكشف أن العواصم الأوروبية باتت تنظر إلى سبتة كمدخل استراتيجي للهجرة نحو القارة العجوز بأكملها، وليس كأزمة إسبانية محلية معزولة.

وفي خضم هذه التطورات المعقدة، تبرز مفارقة صارخة على الضفة الجنوبية لإسبانيا. ففي الوقت الذي تعيش فيه أوروبا صدمة المشاهد القادمة من الثغرين المحتلين، دشنت مدريد مرحلة تاريخية جديدة مع جبل طارق؛ حيث بدأ منتصف يوليوز تطبيق الاتفاق البريطاني الأوروبي الذي ألغى الضوابط الروتينية على حركة الأشخاص. وهي خطوة تاريخية وصفها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بأنها إغلاق لجرح مفتوح.

هكذا، تتبلور أمامنا صورتان متناقضتان تماما، حدود تفتح وتتنفس في جبل طارق رغم النزاع السيادي حول المستعمرة البريطانية، وحدود أخرى تغلق وتتحول إلى منطقة أمنية مشددة محاطة بالأسلاك الشائكة في سبتة ومليلية رغم كونهما امتدادا جغرافيا وطبيعيا للمغرب الذي يطالب باسترجاعهما. ويطرح هذا التناقض تساؤلا جوهريا حول أسباب غياب هذا التصور المرن عن العلاقة الحدودية بين الثغرين المحتلين وباقي الأراضي المغربية، في الوقت الذي نجحت فيه لندن ومدريد وبروكسل في إيجاد صيغة لفتح الحدود مع إبقاء الخلاف السيادي جانبا.

ولا يتوقف البعد الدولي للأزمة عند حدود الاتحاد الأوروبي، بل يمتد ليصل إلى واشنطن. فقد وجهت إدارة الرئيس دونالد ترامب انتقادات لاذعة لسياسات الحكومة اليسارية الإسبانية في ملف الهجرة، معتبرة إياها محفزة للأزمات، ورافضة تقديم مساعدة طارئة لمدريد. وتتزامن هذه التطورات مع دعوات متصاعدة من مراكز أبحاث أمريكية تطالب الإدارة بالاعتراف بسيادة المغرب على سبتة ومليلية، ما يفتح الباب أمام قراءات سياسية أعمق تتجاوز البعد الأمني البحت للأزمة.

ورغم غياب أي أدلة قاطعة على توظيف رسمي مغربي لهذه الأزمة كورقة ضغط، وتأكيد السلطات المغربية على تدخلها المستمر لمنع العبور، إلا أن مجريات الأحداث تؤكد أن الحدود الفاصلة بين إفريقيا وأوروبا باتت أوراقا سياسية واقتصادية وأمنية بالغة القوة والتعقيد. وأمام هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى تجاوز المقاربة الأمنية الصرفة التي أثبتت محدوديتها، والانتقال تدريجيا نحو منطق الحدود المنظمة. ويتجلى هذا الخيار في إرساء فتح مدروس للمعابر أمام الحركة الاقتصادية والتجارية وتنقل المواطنين وفق شروط واضحة، مع الاحترام التام للمصالح السيادية والأمنية لكل طرف، وذلك في انتظار بلورة تسوية نهائية لهذا الملف الاستعماري الذي عمر لقرون.

وتبقى مفارقة يوليوز 2026 جديرة بالتأمل العميق؛ فبينما أزيلت الحواجز بين إسبانيا وجبل طارق، تدفقت أمواج المهاجرين نحو الحواجز المقابلة في سبتة ومليلية. وإذا كان بيدرو سانشيز قد احتفى بإغلاق جرح إسبانيا المفتوح في جبل طارق، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه اليوم على الساحة الإقليمية هو إلى متى سيبقى الجرح المغربي مفتوحا. إن الإجابة عن هذا التساؤل لن تكون أمنية الطابع فحسب، بل ستكون في نهاية المطاف إجابة سياسية واستراتيجية تحدد بشكل جذري مستقبل العلاقات بين المغرب وإسبانيا، وترسم ملامح الحدود بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *