وطن يفوز في الملاعب ويخسر أبناءه في البحر
لم يعد مشهد الشباب المغاربة وهم يخاطرون بحياتهم في عرض البحر حدثاً استثنائياً يثير الصدمة لبضعة أيام ثم يُنسى. لقد أصبح علامة مؤلمة على واقع يتسع يوماً بعد يوم، واقع يدفع الآلاف إلى الاعتقاد بأن المجهول في الضفة الأخرى أقل قسوة من المستقبل الذي ينتظرهم في وطنهم.
الأخطر أن الهجرة لم تعد هاجس العاطلين عن العمل وحدهم. اليوم يفكر فيها الطالب الجامعي، والمهندس، والأستاذ، والممرض، والموظف، وصاحب الشهادة العليا. الجميع يبحث عن فرصة للعيش الكريم وعن أفق يراه أكثر وضوحاً خارج الحدود. وحين يتحول الرحيل إلى حلم جماعي، فإن المشكلة لا تكمن في الشباب الذين يريدون المغادرة، بل في الظروف التي جعلت البقاء يبدو خياراً أصعب من المغادرة.
لا يمكن لأي خطاب رسمي أن يخفي حقيقة أن جزءاً مهماً من شباب المغرب يشعر بالإحباط وفقدان الثقة في المستقبل. فالبطالة مستمرة، وغلاء المعيشة يزداد، والفوارق الاجتماعية تتسع، بينما تتراجع قدرة فئات واسعة على تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار. وفي ظل هذا الواقع، يصبح البحر بالنسبة للكثيرين ليس مجرد طريق للهجرة، بل طريقاً للهروب من الشعور بالاختناق وانسداد الأفق.
وفي الوقت الذي احتفل فيه المغاربة جميعاً بالإنجازات التاريخية للمنتخب الوطني لكرة القدم، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: لماذا نجحنا في صناعة منتخب ينافس كبار العالم، ولم ننجح بالقدر نفسه في صناعة اقتصاد يمنح الشباب أملاً في المستقبل؟ لماذا لا نرى التنافس نفسه والإرادة نفسها عندما يتعلق الأمر بالتعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية؟
لقد أثبتت التجربة الرياضية أن النجاح ليس معجزة، بل نتيجة رؤية واضحة واستثمار جاد ومحاسبة ومتابعة. وإذا كان المغرب قادراً على الوصول إلى المربع الذهبي عالمياً في كرة القدم، فلماذا لا يكون قادراً على تحقيق نتائج مماثلة في مؤشرات التشغيل والتنمية وجودة التعليم ومستوى العيش؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الفقر وحده، بل فقدان الأمل. فحين يصبح حلم الشباب هو المغادرة لا المشاركة في بناء المستقبل، وحين تتحول الهجرة إلى مشروع حياة بدل أن تكون مجرد خيار فردي، فإن ذلك يستوجب وقفة وطنية صريحة وشجاعة بعيداً عن لغة الأرقام والشعارات.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً حقيقياً لا سياسياً: إذا كان آلاف الشباب مستعدين للمغامرة بحياتهم في البحر هرباً من واقعهم، فأين أثر السياسات العمومية؟ وأين نتائج الحكومات المتعاقبة؟ وما جدوى الانتخابات إذا كان المواطن لا يلمس تغييراً حقيقياً في شروط حياته وآفاق مستقبله؟
إن الوطن لا يقاس بعدد المباريات التي يفوز بها، بل بعدد أبنائه الذين يختارون البقاء فيه وهم مطمئنون إلى أن أحلامهم قابلة للتحقق على أرضه.


