الطاقات المتجددة ومبادرة تيراميد..رهان متوسطي لبناء مستقبل طاقي مستدام

الطاقات المتجددة ومبادرة تيراميد..رهان متوسطي لبناء مستقبل طاقي مستدام
متابعة مجلة 24

يشهد حوض البحر الأبيض المتوسط دينامية في مجال الانتقال الطاقي، مدفوعة بتزايد التحديات المناخية والرهانات المرتبطة بالأمن الطاقي.

 وفي هذا السياق، برزت مبادرة تيراميد ،التي أُطلقت في فاتح أكتوبر 2024 خلال أسبوع القاهرة للطاقة المستدامة، كمشروع إقليمي طموح يهدف إلى إنتاج تيراواط واحد من الطاقة النظيفة بحلول سنة 2030، دفي خطوة تعكس إرادة مشتركة لتعزيز التعاون بين بلدان المنطقة وتسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.

ويأتي إطلاق هذه المبادرة في ظرفية تتجه فيها بلدان المتوسط إلى تعزيز استثماراتها في الطاقات المتجددة، مستفيدة من المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، من إشعاع شمسي ورياح قوية وموقع جغرافي يؤهلها لتكون أحد الأقطاب العالمية لإنتاج الطاقة النظيفة وتصديرها.

ويُعد المغرب من أبرز الفاعلين في هذا الورش الاستراتيجي،بعدما رسخ مكانته كواحد من رواد الانتقال الطاقي في القارة الإفريقية والمنطقة المتوسطية. فقد تجاوزت حصة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي الوطني 46 في المائة،فيما تواصل المملكة تنفيذ مشاريع كبرى لتحقيق هدفها المتمثل في رفع هذه النسبة إلى 52 في المائة بحلول سنة 2030، إلى جانب تحسين النجاعة الطاقية بنسبة 20 في المائة وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 45.5 في المائة، انسجاما مع التزاماتها الدولية في مجال المناخ.

ولا تقتصر أهمية مبادرة تيراميد على بعدها التقني، بل تمتد إلى أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية،باعتبارها رافعة لخلق فرص الشغل وتحفيز الاستثمار الأخضر وتعزيز الابتكار. وتشير التقديرات الدولية إلى أن قطاع الطاقات المتجددة يوفر اليوم نحو 12.7 مليون فرصة عمل عبر العالم، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم خلال السنوات المقبلة بفعل التوسع المتواصل في المشاريع الخضراء، وهو ما يجعل هذا القطاع أحد المحركات الأساسية لاقتصاد المستقبل.

وفي هذا الإطار،تولي المبادرة اهتماما خاصا بالشباب والنساء،من خلال دعم برامج التكوين في المهن الخضراء،وتشجيع ريادة الأعمال البيئية، وتعزيز مشاركة النساء في المشاريع المحلية المرتبطة بالطاقة النظيفة، بما يسهم في تحقيق تنمية أكثر شمولا وعدالة،ويعزز الإدماج الاقتصادي للفئات الأكثر دينامية داخل المجتمع.

وتشكل الطاقات المتجددة،وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر والكتلة الحيوية، الركائز الأساسية لهذا التحول.فالمغرب يمتلك مؤهلات استثنائية في مجال الطاقة الشمسية والريحية،بينما يبرز الهيدروجين الأخضر كأحد أهم رهانات المستقبل الصناعي والتصديري،في حين تتيح الكتلة الحيوية تثمين النفايات العضوية وتحويلها إلى مصدر للطاقة، بما يدعم الاقتصاد الدائري ويحد من الآثار البيئية، خاصة في العالم القروي.

غير أن نجاح هذا التحول يظل رهينا بانخراط مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم المجتمع المدني،الذي يشكل شريكا محوريا في نشر ثقافة الاستدامة وترسيخ الوعي البيئي. فالجمعيات تضطلع بأدوار أساسية في التحسيس والتأطير، بينما تسهم الجامعات ومراكز البحث العلمي في تطوير الحلول التكنولوجية الملائمة، وتوفر المقاولات الصغرى والمتوسطة دينامية استثمارية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل، بما يجعل الانتقال الطاقي مشروعا مجتمعيا متكاملا تتقاطع فيه الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم في مجال الطاقة،تبدو مبادرة “تيراميد” أكثر من مجرد مشروع إقليمي،إذ تمثل نموذجا جديدا للتعاون المتوسطي يقوم على الاستثمار في الطاقات النظيفة، وتعزيز الابتكار، وتحقيق تنمية مستدامة تستجيب لتطلعات الأجيال الحالية والقادمة.أما بالنسبة للمغرب، فإن هذه المبادرة تفتح آفاقا جديدة لتعزيز موقعه كمنصة إقليمية للطاقة الخضراء، وشريك أساسي في بناء مستقبل طاقي أكثر استدامة على مستوى الفضاء المتوسطي.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *