عندما يتحول التحقيق الصحافي إلى موضوع مساءلة

عندما يتحول التحقيق الصحافي إلى موضوع مساءلة
متابعة مجلة 24

لا يختلف اثنان على أن القضاء هو الجهة الوحيدة المخول لها الفصل في القضايا المعروضة عليه. لكن هذا لا يمنع من مناقشة الأسئلة المهنية التي تثيرها بعض الملفات، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحافي عرف على مدى سنوات بإنجاز تحقيقات حول قضايا الفساد والشأن العام

قضية الزميل محمد اليوبي أعادت إلى الواجهة سؤالا أساسيا متى يكون العمل الصحافي ممارسة مشروعة لحق المجتمع في المعرفة، ومتى يتحول إلى فعل يخرج عن هذا الإطار؟

من المعطيات المتداولة أن المقال الصحافي موضوع القضية كان قد نشر بالفعل، بل تصدر الصفحة الأولى للجريدة. وهذه الواقعة تثير نقاشا مهنيا وقانونيا، لأن العمل الصحافي يكون قد أدى وظيفته الأصلية، وهي إخبار الرأي العام ونشر المعلومة. ومن هنا يطرح البعض سؤالا مشروعا حول أثر نشر المادة في توصيف الوقائع قانونا، مع التأكيد أن الجواب النهائي يبقى من اختصاص المحكمة وحدها.

كما أن محمد اليوبي ليس صحافيا حديث العهد بالمهنة. فقد ارتبط اسمه، على امتداد سنوات، بمتابعة ملفات الفساد والمال العام، ونشر تحقيقات صحافية تناولت مسؤولين ومنتخبين ورجال أعمال، مستندا، بحسب ما عرفت به أعماله، إلى الوثائق والمعطيات التي يرى أنها تدعم ما ينشره.

 وهذا الرصيد المهني يفسر حجم التضامن الذي عبر عنه عدد من الصحافيين والحقوقيين، دون أن يعني ذلك حكما مسبقا على القضية.

وفي التجارب الديمقراطية، ومنها فرنسا، يظل النقاش قائما حول ضرورة توفير حماية حقيقية للصحافة الاستقصائية، لأن كشف ملفات الفساد قد يعرض الصحافيين لمتابعات ونزاعات قضائية. وفي المقابل، يبقى أي إدعاء بوجود أفعال مجرمة خاضعا لإثباتها أمام القضاء، وفق ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.

إن الدفاع عن الصحافة الجادة لا يتعارض مع احترام القضاء، كما أن احترام القضاء لا يعني التوقف عن مناقشة القضايا التي تمس حرية الصحافة وأخلاقيات المهنة. وبين الأمرين، تبقى الحاجة قائمة إلى ضمان بيئة تمكن الصحافي من أداء رسالته في كشف قضايا المصلحة العامة، مع إخضاع أي ادعاء بارتكاب مخالفة للقانون إلى ما تثبته الأدلة أمام المحكمة، لا إلى الانطباعات أو الأحكام المسبقة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *