التربية على الغش – من علمهم الغش؟

التربية على الغش – من علمهم الغش؟
مجلة 24 : الرباط

قد يبدو المشهد اليومي مؤخرا بالإدارات والمؤسسات التعليمية في زمن التحضير لمواكبة سير امتحان البكالوريا، حافلاً بالحركية في الفضاء الرقمي لإبراز مختلف الجوانب التنظيمية والتربوية المرتبطة بهذا الاستحقاق الوطني. إن من يتابع ويراقب الأحداث المتلاحقة والمتسارعة التي تزدحم بها المواقع الإخبارية بمقالات تتكرر من بعض المُطبِلين لملئ الفراغ في بعض المواقع “الصفراء”، يستطيع المرء بسهولة أن يتبين في محور تلك الأحداث، بل في صميمها أن هناك حقيقة يحاولون إخفاءها. تعليمات مستعجلة، وضغط زمني دائم على المتتبع، غير أن هذا الحراك على أهميته، لا يُعد بالضرورة مؤشراً على نجاعة النموذج التعليمي، فكثيراً ما نجد أنفسنا بعد مدة، تقدمنا خطوة إلى الأمام ورجعنا خطوات إلى الوراء، لأننا لضيق الرؤية إنشغلنا بتزييف الحقائق أكثر من التفكير الجاد في أزمة “الجودة” ومعضلة الهدر الزمني والمادي، إنشغلنا بالتوثيق والتقاط أكبر عدد من الصور أكثر من وضعنا في الصورة الوحيدة للوضع المأساوي للمدرسة العمومية.

إن التحدي الحقيقي في العمل الإداري التربوية والتعليمي ليس في كثرة المهام المنجزة، بل في جودة الرؤية التي ترسم خارطة الطريق لتلك المهام. فالإدارة التربوية ليست مجرد تطبيق يتم تحميله بذاكرة المتعلم، بل هو وعي بالسياق، وفهم للأهداف، وقدرة على الربط بين الجزئيات لبناء أثر تربوي مستدام، والتواصل الفعّال لإبراز الجهود والأفكار بطريقة مهنية تعكس الفهم والالتزام.

لم يعد الغش في الامتحانات الإشهادية مجرد حالات معزولة تُضبط داخل مراكز الامتحان، بل أضحى مؤشراً صارخاً على أعطاب عميقة تنخر المنظومة التعليمية من أعلى مراكز القرار. فبينما تواصل وزارة التربية الوطنية تشديد المراقبة والاستعانة بوسائل الكترونية لمحاصرة الظاهرة، يؤكد فاعلون تربويون بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الدار البيضاء سطات، أن أزمة الغش الحقيقية بدأت قبل يوم الامتحان بأشهر، وضربت في مقتل العملية التعليمية التعلمية. فحين بلغ إلى علم مدير الأكاديمية الجهوية معطيات دقيقة تشير إلى أن نسبة كبيرة من التلاميذ بألاف، وصلوا إلى المحطات الإشهادية لا يتقنون بل يفتقدون إلى التحكم في التعلمات والكفايات الأساسية رغم بلوغهم مستويات دراسية متقدمة، أيقن أنه أمام خيار صعب، وهو أنه مجبر على أن يشارك في المسرحية التي فرضتها وزارة التربية الوطنية وتشديد المراقبة، مما سيؤدي حتماً إلى ارتفاع نسبة التكرار وتهاوي نسب النجاح، و هذا سيجبره أيضا على البحث عن طرق ملتوية لرفع النسب والمؤشرات النجاح، خاصة أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء سطات الأكبر بالمملكة وسيكون لها تأثير كبير على المؤشر الوطني، والفضيحة ستكون مدوية. فالسيد المدير لبعد نظره وخططه الاستباقية قام قبل أشهر بالضغط على المديرات والمديرين الإقليميين ومختلف الأطر التربوية من أجل تضخيم نقط المراقبة المستمرة وذلك بتصريح مباشر وواضح في الاجتماعات، وأنه اعتمد نفس الطريقة بجهة الشرق ولهذا السبب كانت في الصدارة وتحتل المراتب الأولى، بل أكد أن عملية تغيير النقط لرفع المؤشرات النجاح بدأت فعليا بمقر الأكاديمية على مستوى منظومة التدبير مسار بصفة مباشرة وبعلت شبه المعدل بالموسم الدراسي السابق فور التحاقه العام الماضي وذلك بالضغط على كل الأطر المشاركة في تنظيم عملية الامتحان الجهوي أو الوطني وخصوصا خلية الاعلاميات وذلك لربح الرهان ضد المعارضة الإقليمية.

وفي هذا السياق، اعتبر مدراء المؤسسات التعليمية، أن ما يتعرضون له من ضغوط من قبل السيدات والسادة المديرات والمديرين الإقليميين هي سابقة بجهة الدار البيضاء سطات، تعكس أزمة تعلم وضغطاً اجتماعياً ونفسياً، معتبرين أن الظاهرة تطرح أسئلة محرجة حول جودة التعليم ونجاعة الإصلاحات التي جاء يُطبل لها مدير الأكاديمية الجهوية للتربية و التكوين بجهة الدار البيضاء سطات مند توليه المنصب، وأكدوا أن إصلاح المدرسة العمومية وترسيخ ثقافة الاستحقاق والنزاهة ومصداقية الشهادات على المحك، بل يجب اعتماد تقييمات تقيس الفهم والكفايات عوض الحفظ والاستظهار، حتى لا يظل الغش عنواناً لأزمة تربوية واجتماعية تتجدد مع كل موسم امتحانات، و أكدوا أن لا وجود لهم ضمن فريقه إلا لمبدأٍ واحد وهو الإنصاف قبل كل شيء، وأن ينال كل تلميذ حقه كاملا بكل نزاهة. وهنا نضع أكثر من علامة استفهام عن امتيازات أبناء جهة الشرق في السنوات الماضية وأبناء الجهات الأخرى وخصوصا في المشوار ما بعد البكالوريا، وأنه مهما كانت مرتبة الاكاديمية أو نسب النجاح فقد فقدنا الثقة في بلاغاتهم المفبركة و المزورة للواقع، فقد أصبح جليا أنه ما كان يروج من إشاعات حول سياسة السيد المدير أكدتها أفعاله وممارساته وصارت حقيقة لا غبار عليها، استغلاله للامتحانات الإشهادية لزيادة النفوذ وتوسيع شبكة المعارف واستقباله الهدايا بالملايين كما كان يفعل بالشرق، فعملية تزوير النقط وإنجاح أبناء ذوي النفوذ من أهم طرقه السرية لتعزيز مكانته السياسية وأحد منابع تدفقاته المالية التي لا تجف.

وهنا نتقدم بتحية إجلال وتقدير لكل الأطر بالجهة وخصوصا مدراء وأساتذة المؤسسات العمومية، على أخلاقهم العالية ونضالهم ومعارضتهم لهذه الأساليب الملتوية لمدير الأكاديمية الجهوية، تحسين المؤشرات تخدم أجنداته الشخصية فقط الغرض منها تلميع مكانته ومنصبه بالاجتماعات المركزية.

وضع تدابير لتطويق الغش خطوة محمودة وفيها إنصاف للمتفوقين والمجتهدين في الآداب والعلوم المختلفة، غير أن هذه التدابير التي تبنتها وزارة التربية الوطنية تبقى أشبه برؤيا معلّقة ما لم يسبقها إعادة تأسيس المنظومة منذ المراحل الأولى للتعليم على مكافأة الاجتهاد والمثابرة، وزجر الغش والتوقف عن ربط نجاح المؤسسات التعليمية بعدد الناجحين والراسبين.

إن المدير الذي يكتفي بالنظر “تحت قدميه” قد يبذل جهداً مضاعفاً، لكنه يظل أسير دائرة التنفيذ. أما المدير الذي يرفع رأسه ليرى أبعد، فإنه يعمل بوعي، ويقود التغيير، ولو بخطوات متدرجة. في الأخير، يبقى الرهان الحقيقي في القيادة التربوية ليس على كمّ العمل، بل على نوعية التفكير الذي يؤطره؛ لأن التميز لا تصنعه السرعة وحدها، بل تصنعه الرؤية الواضحة والاختيارات الواعية.

               كل عام وأنتم بخير

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *