نورالدين محقق يفكك أسرار الصورة والكتابة في ماستر كلاس فكري بمهرجان الأطلس للفيلم الدولي
في إطار الأنشطة الفكرية والثقافية الموازية لفعاليات الدورة الرابعة من مهرجان الأطلس للفيلم الدولي، التي تحتضنها مدينة إيموزار كندر خلال الفترة الممتدة من 07 إلى 10 ماي الجاري، احتضن المركب الثقافي بمدينة إيموزار كندر، عشية يوم السبت 09 ماي 2026، ماستر كلاس فكريا مفتوحا مع الروائي والناقد السينمائي نورالدين محقق، أدار فقراته وحاوره الباحث في مجال السينما والإعلامي جبير مجاهد، وذلك بحضور ثلة من المهتمين بالسينما والأدب والنقد، إلى جانب طلبة وباحثين ومتابعين للشأن الثقافي والفني.
افتتح هذا اللقاء بكلمة ترحيبية أكدت على أهمية الانفتاح على التجارب النقدية والأدبية داخل المهرجانات السينمائية، باعتبارها فضاءات للحوار وتبادل الرؤى والتجارب، قبل أن ينطلق النقاش في رحلة فكرية وجمالية عميقة داخل المسار الإبداعي والفكري للكاتب والناقد نورالدين محقق، الذي يعد من الأصوات المغربية التي اشتغلت على تقاطع الأدب بالسينما، وعلى أسئلة الصورة والكتابة والهوية الثقافية.
وتناول الماستر كلاس عددا من المحاور المرتبطة بعلاقة الرواية بالسينما، حيث تحدث نورالدين محقق عن تجربته في الكتابة الروائية، وعن الكيفية التي تتسلل بها الصورة السينمائية إلى النص الأدبي، موضحا أن الرواية الحديثة أصبحت أكثر انفتاحا على تقنيات السرد البصري، من خلال الاشتغال على الإيقاع والمشهد والزوايا والوصف الحركي، وهو ما يجعل الحدود بين الفنون أكثر مرونة وانفتاحا.
كما توقف المتدخل عند التحولات التي يعرفها النقد السينمائي في السياق الراهن، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، معتبرا أن النقد الحقيقي لا يقوم فقط على الانطباع السريع، بل يحتاج إلى أدوات معرفية وجمالية وقدرة على قراءة الصورة وتحليل الخطاب السينمائي في أبعاده الفكرية والثقافية والرمزية. وأضاف أن السينما، باعتبارها فنا مركبا، تحتاج إلى ناقد يمتلك حسا ثقافيا واسعا وقدرة على الربط بين الصورة والواقع والتحولات الاجتماعية.
وفي سياق الحديث عن السينما المغربية، أشار نورالدين محقق إلى أن التجربة السينمائية الوطنية عرفت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على مستوى المواضيع واللغة البصرية، حيث أصبحت أكثر جرأة في طرح القضايا الإنسانية والاجتماعية والوجودية، غير أن هذا التطور، بحسب تعبيره، يحتاج إلى مواكبة نقدية جادة وإلى فضاءات للنقاش والتكوين قادرة على خلق جيل جديد من النقاد والباحثين.
من جانبه، قاد الإعلامي والباحث جبير مجاهد الحوار بأسئلة متنوعة لامست الجوانب الفكرية والجمالية في تجربة الضيف، حيث تطرق إلى مفهوم الكتابة البصرية، كما فتح النقاش حول علاقة المثقف بالتحولات الرقمية، وحول موقع السينما في ظل التحولات التي يعرفها العالم المعاصر.
كما توقف نورالدين محقق خلال هذا الماستر كلاس عند الطبيعة المركبة للفن السينمائي، مؤكدا أن السينما ليست فنا معزولا، بل هي فضاء تلتقي داخله مختلف التعبيرات الفنية والجمالية. وفي هذا السياق، تحدث عن العلاقة العضوية التي تجمع السينما بالموسيقى، باعتبارها عنصرا أساسيا في بناء الإحساس الدرامي وصناعة الإيقاع العاطفي داخل الفيلم، كما أشار إلى تأثير الفن التشكيلي على الصورة السينمائية من خلال التكوين البصري، واللون، والضوء، وزوايا التصوير. ولم يغفل المتدخل الحديث عن المسرح، بوصفه أحد الروافد الأساسية التي استلهمت منها السينما أداء الممثل وبناء المشهد والحوار، معتبرا أن قوة السينما تكمن في قدرتها على احتضان مختلف الفنون وإعادة تركيبها داخل لغة بصرية خاصة تمتلك قدرتها على التأثير والتعبير.
وعرف اللقاء تفاعلا كبيرا من طرف الحضور، الذين ساهموا بمداخلات وأسئلة متنوعة همت قضايا الاقتباس السينمائي، ومستقبل النقد، ودور المهرجانات في خلق حركية ثقافية حقيقية، إضافة إلى أهمية التكوين السينمائي والأدبي في صقل مواهب الشباب وتمكينهم من أدوات التحليل والإبداع.
وشكل هذا الماستر كلاس لحظة فكرية وثقافية متميزة ضمن برنامج الدورة الرابعة من المهرجان، بالنظر إلى عمق القضايا التي تم تناولها، وإلى طبيعة النقاش المفتوح الذي جمع بين الأدب والسينما والنقد، في أفق ترسيخ ثقافة الحوار والانفتاح على مختلف التعبيرات الفنية والفكرية.

