المناولة في قطاع الصحة بين منطق الربح ومتطلبات المرفق العمومي

المناولة في قطاع الصحة بين منطق الربح ومتطلبات المرفق العمومي
متابعة مجلة 24

يشهد قطاع الصحة خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في اعتماد نموذج التشغيل عبر شركات المناولة، خاصة داخل المراكز الاستشفائية الجامعية والمؤسسات الصحية العمومية. ويطرح هذا التوجه العديد من التساؤلات الجوهرية حول مدى ملاءمته لطبيعة هذا القطاع الحساس، الذي يُفترض أن يُدبر وفق مقاربة اجتماعية وإنسانية، لا وفق منطق ربحي محض.

أولاً: إشكالية بطالة خريجي IFPS وعدم الإدماج المباشر

تعاني فئة واسعة من خريجي معاهد التكوين المهني في الميدان الصحي (IFPS)، خاصة تخصص النقل والإسعاف الصحي، من بطالة مستمرة رغم التكوين المتخصص الذي تلقوه تحت إشراف وزارة الصحة.

وفي المقابل، تلجأ العديد من المؤسسات الصحية إلى تفويض مهام حيوية — من بينها النقل الصحي الاستعجالي — لشركات مناولة خاصة، عوض إدماج هذه الكفاءات بشكل مباشر داخل المنظومة الصحية العمومية.

هذا الوضع يخلق مفارقة واضحة:

* الدولة تُكوِّن موارد بشرية مؤهلة.

* ثم لا تستثمر في إدماجها.

* وتُحوِّل المهام نفسها إلى شركات خاصة بدافع التدبير المالي أو التخفيف من كتلة الأجور.

ثانياً: الهشاشة المهنية وانعكاساتها الاجتماعية

نموذج المناولة غالباً ما يرتبط بـ:

* عقود محدودة المدة.

* أجور أقل.

* غياب الاستقرار المهني.

* ضعف الحماية الاجتماعية مقارنة بالوظيفة العمومية.

وهذا ينعكس سلباً على الاستقرار النفسي والاجتماعي للعاملين، ويؤدي إلى ارتفاع معدل دوران اليد العاملة، مما يؤثر بدوره على استمرارية وجودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

ثالثاً: جودة الخدمات الصحية بين المسؤولية العمومية ومنطق الربح

القطاع الصحي ليس كباقي القطاعات؛ فهو يرتبط بشكل مباشر بحياة الإنسان وسلامته. وعندما يُدبَّر بمنطق ربحي صرف، قد تصبح:

* تقليص التكاليف أولوية على حساب الجودة.

* السرعة أهم من الكفاءة.

* التوازنات المالية أهم من شروط السلامة.

شركات المناولة بطبيعتها تسعى لتحقيق هامش ربح، وهو أمر مشروع في القطاع الخاص، لكنه قد يتعارض مع فلسفة المرفق العمومي الصحي الذي يُفترض أن يُعطي الأولوية للمصلحة العامة لا للعائد المالي.

رابعاً: استنزاف الميزانية العامة على المدى البعيد

قد يبدو اللجوء إلى المناولة حلاً مالياً سريعاً لتقليص كتلة الأجور أو الالتزامات الإدارية، لكن على المدى المتوسط والبعيد قد يؤدي إلى:

* ارتفاع الكلفة الإجمالية للعقود.

* تجديد الصفقات بشكل دوري.

* أداء خدمات قد تكون أقل جودة رغم تكلفتها المرتفعة.

في حين أن الإدماج المباشر لخريجي IFPS داخل المؤسسات الصحية يوفر:

* استقراراً مؤسساتياً.

* استثماراً مستداماً في الموارد البشرية.

* تعزيزاً للرقابة والمحاسبة

خامساً: إلى أي حد يمكن الاستمرار في هذا النموذج؟

يبقى السؤال الجوهري:

إلى أي حد يمكن الاستمرار في اعتماد نموذج المناولة داخل قطاع اجتماعي حساس كقطاع الصحة، دون إعادة تقييم آثاره الاجتماعية والمهنية والمالية؟

إن إعادة النظر في هذا النموذج لا تعني إقصاء القطاع الخاص، بل تعني:

* تحديد المهام الاستراتيجية التي يجب أن تبقى داخل التدبير العمومي المباشر.

* إعطاء الأولوية لإدماج الكفاءات الوطنية المكوَّنة داخل مؤسسات الدولة.

* تحقيق التوازن بين النجاعة المالية والعدالة الاجتماعية٢١

خاتمة

إن ضمان جودة الخدمات الصحية يمر أساساً عبر الاستثمار في الموارد البشرية القارة والمؤهلة، لا عبر تفويض المهام الحيوية لشركات تسعى بالأساس إلى تحقيق الربح.

فالقطاع الصحي ليس مجالاً للتجريب التدبيري، بل هو ركيزة أساسية للأمن الصحي والاجتماعي للمواطنين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *