شغب الملاعب.. الإفلاس الأخلاقي لجيل يقدس الفوضى ويحتقر الممتلكات
لا يمكننا دائماً أن نعلق فشلنا في التحضر على شماعة الآخرين، أو أن ننتظر من السلطة أن تضع حارسا خلف كل مشجع ليمنعه من كسر كرسي أو إشعال فتيل فوضى. هناك لحظة صدق يجب أن نواجه فيها أنفسنا: هل العيب في الملعب الذي فتح أبوابه، أم في العقلية التي دخلت إليه وهي تحمل بذرة التخريب؟
إن المشاهد المقززة التي نراها في بعض ملاعبنا، حيث تتحول مدرجات الفرجة إلى ساحات للتصفية، هي في الحقيقة إعلان عن إفلاس أخلاقي لدى فئة من المجتمع اختارت أن تمارس ساديتها على الحجر والبشر. لا يمكن لأي مبرر اجتماعي أو اقتصادي أن يمنح الشاب حق تدمير منشأة كلفت الملايير من عرق جبين المغاربة جميعا.
هنا تسقط الأقنعة؛ فالمواطنة ليست حقوقا نطالب بها في الوقفات والاحتجاجات فقط، بل هي واجبات تبدأ باحترام الملك العام. إن اليد التي تمتد لتخريب مرفق صحي في الملعب أو اقتلاع عشب بذل فيه المهندسون والعمال شهوراً من الجهد، هي يد تعاني من أمية حضارية لا تعالجها القوانين بقدر ما يعالجها الضمير المستيقظ.
يجب أن نتساءل بمرارة: أين ذهب دور الأسرة في تربية الأبناء على أن المال العام هو مال مقدس؟ وكيف يسمح أب لابنه بالخروج للملعب وهو يعلم أنه يذهب للحرب لا للرياضة؟ إن التنصل من المسؤولية التربوية هو الذي ترك الشارع والمدرج يربيان جيلاً يرى في الفوضى إثباتا للذات، وفي التخريب بطولة وهمية.
حتى فصائل الألتراس، التي نثني على تيفوهاتها وإبداعها، تجد نفسها اليوم أمام امتحان عسير. هل دورها هو التأطير الفني فقط، أم أنها تحولت في بعض الأحيان إلى غطاء يختبئ خلفه القاصرون والمندسون لممارسة غوغائية لا صلة لها بكرة القدم؟ إن المسؤولية هنا مشتركة؛ فالتشجيع الحضاري يبدأ من الضبط الداخلي لهذه المجموعات قبل أن يصل إلى الضبط الأمني.
إن بناء الملاعب العالمية هو فرصة مُنحت لنا لنرتقي، لكن البعض يصر على تحويلها إلى محنة. من غير المقبول أن تظل الدولة في دور البنّاء الذي يبني في الصباح، ليأتي المخرب ويهدم في المساء. إن الاستمرار في هذا المسار هو استنزاف لمقدرات الوطن، وهو إهانة لكل مغربي شريف يطمح لرؤية بلاده في مصاف الأمم الراقية.
توفيق بوعشرين كان سيقول لكم إن الحرية دون مسؤولية هي فوضى، وإن الديمقراطية دون تربية هي حكم الغوغاء. قبل أن نطالب بملاعب أفضل، علينا أن نطالب بـسلوك أفضل.
العيب ليس في الإسمنت ولا في العشب، العيب في النفوس التي لم تتعلم بعد كيف تستمتع بالجمال دون أن تلطخه. إن حماية الملاعب هي مسؤولية المشجع الذي يجلس على الكرسي، والجمعية التي تؤطر الجمهور، والأب الذي يراقب ابنه.
كفانا لوما للظروف، ولننظر في المرآة؛ فالتغيير يبدأ من الداخل، وصيانة الملعب تبدأ من صيانة الأخلاق

