حين يتحوّل المعرض إلى مرآة المجتمع… لا مجرد رفوف كتب
في كل دورة من المعرض الدولي للنشر والكتاب، يبدو المشهد للوهلة الأولى احتفاليًا: أروقة مكتظة، كتب مصطفّة بعناية، وجوه متحمّسة، وعدسات تلتقط لحظات “ثقافية” سريعة. لكن خلف هذه الصورة المريحة، يختبئ سؤال أكثر إزعاجًا: هل نحن أمام فعل ثقافي حقيقي، أم أمام طقس موسمي نُؤدّيه بانتظام ثم نعود إلى صمت القراءة الطويل؟
المعرض، في عمقه، ليس مجرد سوق للكتاب، بل فضاء لإعادة ترتيب الحقل الثقافي نفسه. هنا، لا تُعرض الكتب فقط، بل تُعرض أيضًا المواقع الرمزية: من يتصدر الواجهة؟ من يُوقّع؟ من يُستدعى للندوات؟ ومن يبقى في الهامش؟ إنها لحظة تتكثف فيها، كما يقول بيير بورديو، رهانات “الرأسمال الرمزي”، حيث يصبح الحضور اعترافًا، ويغدو الغياب إقصاءً صامتًا.
هو فرصة للكاتب، نعم، لكنه أيضًا اختبار قاسٍ: هل يكتب ليُقرأ، أم ليُعرض؟ هل يتحول النص إلى مجرد سلعة تُسوّق بمنطق العرض والطلب؟ في زمن تتسارع فيه آليات الاستهلاك الثقافي، يصبح الخطر قائمًا في أن يُختزل الكتاب في غلاف جذاب، وأن تُقاس قيمته بعدد النسخ المباعة، لا بقدرته على إرباك اليقين وطرح الأسئلة.
وهو فرصة للقارئ، لكن ليس فقط لاقتناء الكتب، بل لاكتشاف نفسه داخلها. القارئ في المعرض ليس مستهلكًا محايدًا، بل فاعلًا في إنتاج المعنى. يختار، يقارن، يتردد، ينجذب… وفي كل ذلك، يعكس تحولات ذائقته وقلقه وأسئلته. ما الذي نقرأه اليوم؟ ولماذا؟ أهي الرواية هروبًا من واقع ثقيل؟ أم كتب “التنمية الذاتية” بحثًا عن طمأنينة مفقودة؟ أم الفكر السياسي لفهم عالم يتغيّر بسرعة مربكة؟
أما الطالب، فيجد في المعرض ما قد لا يجده داخل أسوار الجامعة: نقاش حي، تعددية في المقاربات، واحتكاك مباشر مع منتجي المعرفة. هنا يطرح سؤال مقلق نفسه: لماذا تتحول المعرفة أحيانًا إلى مادة جافة داخل المدرج، وتستعيد حيويتها خارج أسواره؟ هل الإشكال في المضامين، أم في طرق التلقين، أم في القطيعة بين الجامعة والمجتمع؟
لكن المعرض ليس بريئًا تمامًا. إنه أيضًا مرآة لسياسات ثقافية أوسع. ما الذي نحتفي به؟ من ندعوه؟ أي مواضيع نضع في الواجهة؟ الثقافة هنا ليست محايدة، بل هي جزء من تدبير المعنى داخل المجتمع. ومن ثَمّ، فإن المعرض يكشف، بقدر ما يخفي، عن اختيارات وتوجهات في إدارة الشأن الثقافي.
ومن زاوية أخرى، يفرض المعرض علينا التفكير في سؤال العدالة الثقافية. هل الكتاب في متناول الجميع؟ أم أنه لا يزال، في كثير من الأحيان، ترفًا مقنّعًا؟ ماذا عن القارئ في الهامش، في القرى، في المدن الصغيرة؟ هل يصل إليه هذا الزخم الثقافي، أم يظل حكرًا على فضاءات محددة ونخب بعينها؟
في زمن الشاشات، يقدّم المعرض نفسه كنوع من “المقاومة الناعمة”. حضور الكتاب الورقي، الإقبال عليه، النقاش حوله… كلها مؤشرات على أن الحاجة إلى المعرفة العميقة لم تختفِ، رغم سطوة المحتوى السريع. لكن المفارقة أن المعرض نفسه لم يعد بعيدًا عن هذه الثقافة الرقمية؛ صور، اقتباسات، منشورات… يتحول الكتاب بدوره إلى “محتوى” قابل للاستهلاك السريع.
وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى: نأتي إلى المعرض لنحتفي بالقراءة، لكننا في العمق نعبّر عن قلقنا من تراجعها. نشتري الكتب، نعم، لكن كم منها يُقرأ فعلًا؟ وكم منها يتحول إلى ديكور ثقافي جميل فوق الرفوف؟
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المعرض في هذا البعد النقدي فقط. فهو أيضًا لحظة نادرة يلتقي فيها المجتمع حول فكرة واحدة: أن المعرفة لا تزال ممكنة. أن النقاش لم يمت. أن الاختلاف يمكن أن يكون منتجًا. في عالم يتجه نحو الاختزال والتبسيط، يظل المعرض مساحة للتعقيد، للتفكير، ولإعادة طرح الأسئلة.
إنه ليس مجرد حدث، بل تجربة جماعية: رائحة الورق، ضجيج الأروقة، لقاءات عفوية، نقاشات مفتوحة… كل ذلك يصنع ذاكرة ثقافية مشتركة، حتى وإن كانت مؤقتة.
لكن السؤال الذي يظل معلقًا، بعد أن تُطوى الأروقة وتُغلق الأبواب: هل نغادر المعرض بكتب جديدة فقط، أم بأسئلة جديدة أيضًا؟
لأن القيمة الحقيقية لمثل هذه التظاهرات لا تُقاس بعدد الزوار، ولا بحجم المبيعات، بل بقدرتها على إزعاجنا فكريًا، على دفعنا لإعادة النظر في مسلّماتنا، وعلى تحويل القراءة من فعل موسمي إلى ممارسة يومية.
حينها فقط، يمكن القول إن المعرض لم يكن مجرد رفوف كتب… بل كان مرآةً صادقةً لمجتمع يبحث عن نفسه بين الصفحات.

