النقابة الوطنية للتعليم (FDT) بالمحمدية تدق ناقوس الخطر: اختلالات تدبيرية عميقة تُحوّل المدرسة إلى ساحة توتر مهني
لم يعد النقاش حول المدرسة العمومية في المغرب محصوراً في سؤال الإصلاح البيداغوجي أو تحديث المناهج، بل أصبح، بشكل متزايد، نقاشاً حول طبيعة الحكامة التي تؤطر هذا الإصلاح، وحدود قدرتها على تحقيق التوازن بين النجاعة التدبيرية والإنصاف المهني. وفي هذا السياق، يكتسب البيان الصادر عن المكتب الإقليمي للنقابة الوطنية للتعليم بالمحمدية دلالة خاصة، ليس فقط باعتباره موقفاً احتجاجياً، بل كوثيقة ميدانية تكشف عن أعطاب عميقة في بنية التدبير التربوي.
إن القراءة المتأنية لمضامين هذا البيان تضعنا أمام صورة مركبة لوضع تعليمي يتسم بتداخل الاختلالات، حيث تتقاطع إشكالات التدبير الإداري مع توترات الهوية المهنية، وتنعكس بشكل مباشر على جودة الفعل التربوي. وهو ما يجعل من هذا النقاش مدخلاً ضرورياً لإعادة التفكير في منطق الإصلاح ذاته، الذي يبدو، في كثير من الأحيان، منفصلاً عن شروط تنزيله الواقعية.
مشروع “الريادة”: إصلاح بلا بوصلة واضحة؟
يشكل مشروع “الريادة” أحد أبرز عناوين الإصلاح التربوي الراهن، غير أن ما يثير القلق، كما يعكسه البيان النقابي، هو الطريقة التي يتم بها تنزيل هذا الورش على المستوى الترابي. الحديث عن “الارتجالية والعشوائية” لا يمكن اعتباره مجرد توصيف انفعالي، بل هو مؤشر على غياب رؤية تنفيذية دقيقة تضمن الانتقال السلس من التصور المركزي إلى الممارسة الميدانية.
وفي هذا الإطار، يتقاطع هذا التوصيف مع التحليل الذي يعتبر أن الإشكال لا يكمن في أهداف المشروع بقدر ما يكمن في آليات تفعيله، حيث يغيب التنسيق، وتُختزل المقاربة التشاركية في بعدها الشكلي، مما يؤدي إلى إضعاف أثر الإصلاح وتحويله إلى عبء إضافي بدل أن يكون رافعة للتغيير.
منظومة “مسار” والهوية المهنية: حين يُختزل الأستاذ في مُدخل بيانات
من بين أبرز النقاط التي أثارها البيان، مسألة تحميل الأطر التربوية والإدارية مهام تقنية مرتبطة بالمنظومات الرقمية، وعلى رأسها “مسار”. هذا المعطى يعكس تحوّلاً صامتاً في طبيعة الوظيفة التعليمية، حيث لم يعد الأستاذ فاعلاً بيداغوجياً بالأساس، بل أصبح مطالباً بأدوار إدارية وتقنية متزايدة.
هذا “الانزياح الوظيفي” لا يطرح فقط إشكال الضغط المهني، بل يمس جوهر الهوية المهنية للأستاذ، ويعيد طرح سؤال التخصص وتقسيم العمل داخل المؤسسة التعليمية. فهل نحن أمام رقمنة داعمة للتعليم، أم أمام إعادة إنتاج للبيروقراطية في صيغة رقمية أكثر تعقيداً؟
التعويضات العالقة: أزمة ثقة داخل المنظومة
لا يمكن الحديث عن إصلاح ناجع في ظل استمرار اختلالات تمس الحقوق المادية للشغيلة التعليمية. فملف التعويضات المرتبطة بحراسة وتصحيح الامتحانات، الذي يثيره البيان، يعكس خللاً بنيوياً في تدبير الموارد المالية، ويؤثر بشكل مباشر على منسوب الثقة داخل القطاع.
إن تأخر صرف هذه المستحقات لا يُفهم فقط كتعثر إداري، بل كرسالة سلبية تُضعف الإحساس بالإنصاف، وتُغذي الشعور بعدم التقدير، وهو ما ينعكس حتماً على المردودية المهنية والانخراط في أوراش الإصلاح.
العنف المدرسي: تهديد متصاعد للأمن التربوي
في موازاة هذه الاختلالات، يبرز ملف العنف داخل المؤسسات التعليمية كأحد أخطر التحديات التي تواجه المدرسة العمومية. تحذير النقابة من تصاعد هذه الظاهرة يتقاطع مع تشخيص أوسع يرى في العنف نتيجة لاختلالات اجتماعية وتربوية متراكمة، تتجاوز أسوار المدرسة.
غير أن خطورة الأمر تكمن في غياب سياسات وقائية فعالة، قادرة على إعادة الاعتبار للفضاء المدرسي كحاضنة آمنة للتعلم. فالأمن التربوي ليس ترفاً، بل شرطاً أساسياً لأي فعل تعليمي منتج.
بين الاحتجاج والتحليل: نحو قراءة سوسيوسياسية للإصلاح
ما يمنح هذا النقاش عمقه، هو هذا التلاقي بين الخطاب النقابي، باعتباره تعبيراً عن الواقع الميداني، والخطاب التحليلي الذي يسعى إلى تأطير هذه الاختلالات ضمن سياق أوسع. فالموقف النقابي لا يمكن اختزاله في بعده المطلبي، بل ينبغي قراءته كجزء من دينامية مجتمعية تسائل الدولة حول اختياراتها في مجال التعليم.
وفي هذا الإطار، يصبح واضحاً أن أزمة المدرسة العمومية ليست فقط أزمة موارد أو برامج، بل هي، بالأساس، أزمة حكامة، تتطلب إعادة بناء الثقة بين مختلف الفاعلين، وترسيخ مقاربة تشاركية حقيقية، تضع الفاعل التربوي في صلب عملية الإصلاح.
ختاما: لا إصلاح دون إنصاف
إن ما تكشفه تجربة المحمدية، في هذا السياق، هو أن أي إصلاح تعليمي، مهما بلغت طموحاته، يظل هشاً إذا لم يُؤسس على قاعدة صلبة من الإنصاف المهني والعدالة الوظيفية. فكرامة نساء ورجال التعليم ليست شعاراً، بل هي شرط موضوعي لضمان استقرار المنظومة ونجاعة أدائها.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إطلاق مشاريع جديدة، بل في إعادة ترتيب الأولويات، بما يضمن احترام الاختصاصات، وتحفيز الموارد البشرية، وتوفير شروط العمل اللائق. لأن المدرسة، في نهاية المطاف، لا تُبنى بالبرامج وحدها، بل تُبنى أولاً بالإنسان.


